إنما الدنيا حكاية.. منال ووليد « الحلقة الأخيرة »

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ

اليكم تفاصيل هذا الخبر إنما الدنيا حكاية.. منال ووليد « الحلقة الأخيرة »

بقلم: حنان بدر الرومي

[email protected]

تمضي السنوات مسرعة.. جيل يسلم الأمانة للجيل الذي يليه.. أصبحوا ماضيا، كما أصبح الحاضر حاضرا، أما المستقبل فبعلم الغيب.. لكن يظل لكل زمان أهله وحكاياتهم التي نسجوها.. منها ما كانت البسمة عنوانه وأخرى صاحبت الألم وبعضها عزفت بألحان المشاعر الإنسانية المتنوعة. سلسلة جديدة من «الحزاوي» ستأخذنا أحيانا للزمن الماضي بكل عبقه الجميل، كما ستحط بنا الرحال في وقتنا الحاضر لنروي حكايات أشخاص حقيقيين ومن جنسيات متعددة، منهم من رواها لي بنفسه والبعض الآخر وصلني من المقربين منهم أو ممن عاصروهم.. حكايات متنوعة نستقي منها العبر والدروس التي لا تحصى.. وتظل الدنيا حكاية.

الكويت.. منطقة النقرة 1949م.

الصباح الباكر بشمسه المشرقة ونسماته الساخنة لشهر أكتوبر تتسلل للبيوت الهادئة فتشد من عزيمة ساكنيها للحركة والعمل.. يعلو صوت الصبية في السكة.. الحيوية تدب في المنطقة.

ترفع أم سرور البيض من تحت الدجاجات.. تضعه في اناء تزينه على الأطراف نقوش حمراء جميلة ويسمى باللهجة الكويتية بماعون ملبس.. تسرع الخطى نحو الحوش الكبير تجد سيدتها في الليوان تجلس باسترخاء على المطرح القطني وقد أسندت ظهرها على المسند وبيدها المهفة (مروحة يدوية تصنع من جريد النخل) وأمامها الدوة وبداخلها قطع الفحم الملتهبة واباريق الشاي والحليب.

تكشف أم سرور غطاء الاناء وبفرح تقول: ما شاء الله.. انظري سيدتي للبيض.. انه كثير.

تهز السيدة رأسها بفرح ترفع طرف ثوبها الململ الأبيض للأعلى: بلغي فهيمة لتعد لنا قرص عقيلي لنوزعه على الأحباب.

يدخل محمد ذو السبع سنوات من الدهليز ومعه صبي يماثله بالعمر.

الجدة: أهلا محمد، من معك؟

محمد: هذا وليد ابن عمي صالح جده وجدي اخوان - يوجه نظرة رجاء لجدته - جدتي نحن جياع ولا نستطيع استكمال لعبنا في السكة.

تبتسم الجدة بحنان تعدل من جلستها وتمد يدها باتجاه ابريق الحليب: الخير كثير يا صغيري تعالا - تصب الحليب في الاستكانات وترفع الفوطة عن اناء الخبز وتقربه للصبية -

تصدر أوامرها لأم سرور لإعداد طبق البيض للصغار.

٭ ٭ ٭

تحضر أم سرور طبق البيض بالطماطم.. يضحك الصبيان بفرح وهما يتسابقان لتناوله... يلمح وليد وجه طفلة بعمر الثلاث سنوات تطل عليهما من احدى الغرف التي تقع في آخر الليوان.. يختلس النظر لها على استحياء، تخرج الطفلة بشعرها الأسود الفاحم السواد المجدول على شكل ضفيرتين لامعتين.. ترتدي فستانا أبيض ذا نقوش ناعمة باللونين الأزرق والوردي.. بدت كدمية جميلة خجولة.. أخذت تقترب بخطوات بطيئة وقد وضعت اصبع السبابة داخل فمها.. تشاهدها الجدة فتبتسم وتصفق بكلتا يديها وتغني:

صباحج الصباحي والورد والتفاحي

وعويناتج هالزينة سلابة الأرواحي

صباحج صباحين لا مغبر ولا شين

صباح الكحل بالعين

صباح يطرد الفقر ويوفي الدين

يصفق محمد بفرح لشقيقته.. يبتسم وليد بخجل.. تقترب الطفلة وقد لمعت عيناها الواسعتان وأشرق وجهها الطفولي الجميل ذو الملامح الدقيقة الهادئة وهي تخطو بفرح نحوهم.. فجأة تتعثر قدمها الصغيرة بطرف السجادة فتهوي على وجهها بالقرب من الدوة.

تصرخ الجدة بجزع: الدوة.. الفحم.

يتجمد محمد في مكانه.. يقفز وليد بسرعة خاطفة ويمسك بالصغيرة.. ترفع الصغيرة وجهها.. يشاهد وليد نظرات الفزع مرسومة بقوة على وجهها البريء.. يشد يده عليها بقوة وكأنه يريد اشعارها بأنها بيد أمينة.

٭ ٭ ٭

بخطوات مسرعة تخرج أم محمد من غرفتها وقد وضعت رضيعها على كتفها تتساءل بجزع: ماذا حدث؟

تبلع الجدة ريقها: الحمد لله.. لم تصب منال بسوء.. الأطفال تحفظهم الملائكة.

تضع الأم صغيرها على الأرض وتمسك يد منال وتجذبها نحوها.. تفحصها بسرعة ثم تمسح على رأسها وهي تتمتم بصوت مرتعش: الحمد لله.. الحمد لله.

تتجه الصغيرة مباشرة نحو وليد وتجلس بجانبه.. يمد وليد قطعة من الخبز نحوها.. تتناولها بهدوء وتبدأ بأكلها.

تبتسم الجدة: اذا كبرت يا وليد سنزوجك منال.

ترن الجملة في رأس وليد يلتفت نحو الصغيرة المنهمكة بتناول الخبز.. يشعر بالنشاط والسعادة.. هناك حكاية سترسم حروفها مع الأيام القادمة.

٭ ٭ ٭

تكبر منال وتبدأ بالخروج للسكة واللعب مع قريناتها.. يتابعها وليد دائما باهتمام خفي وحرص لا يعلم بواعثه.. كانت منال تشعر بالأمان دائما بتواجد وليد معها في السكة، صحيح انه يلعب بعيدا مع الأولاد ولكنها تدرك في قرارة نفسها انها ما ان تحتاجه لأي سبب حتى تجده أمامها.. كم من مرة صرخ على الفتيات لأنهن منعنها من اللعب معهن.. حتى عندما تعرضت للتنمر ولاستعراض العضلات من قبل بعضهن دافع عنها بقوة أرعبتهن انه ملاكها الحارس.

٭ ٭ ٭

انتقلت عائلة وليد وعائلة منال وعمومتهم جميعا لمنطقة الشامية وتوزعت منازلهم في نواحي المنطقة.. أصبح لوالد محمد ومنال بيت خاص به مع اسرته ملاصق لمنزل والده.. شخصية وليد الجريئة والواثقة من نفسها جعلته يبادر دائما للدخول لبيت صديقه محمد وبحجج مختلفة.. تقبله الجميع فهو قريبهم ومن الأهل وصديق ولدهم محمد.. كانت سعادته تولد بمجرد دخوله لبيت منال.. كان يكفيه أن يكون قريبا منها يشاهدها ولو من بعيد.. انها تمثل له العالم بأكمله.

٭ ٭ ٭

شجع وليد شقيقته الصغرى على مصادقة منال فهي تماثلها في العمر كما انها قريبتها.. حرص على الالتزام بمرافقة أخته لبيت منال سواء للدراسة أو لقضاء بعض الوقت.. عن طريق أخته عرف الكثير عن منال، أحلامها وأمنياتها وطموحاتها ويومياتها البسيطة.. لم يتجرأ أبدا برغم شخصيته المقدامة على الافصاح عما يشعر به لأي شخص.. انه سره الخاص.

في ذلك الزمن كانت الفتيات لا يخرجن من رداء أسرهن لذلك كانت منال لا تغادر المنزل إلا برفقة والدتها أو أحد أشقائها.. صحيح انه دائم الحضور لمنزلهم ولكنه يعجز عن الافصاح عما يكنه لها من مشاعر.. كان يتساءل بينه وبين نفسه ان كانت تشاركه نفس المشاعر أم لا.. فهي هادئة جدا وعاقلة.. حاول كثيرا أن يلمح لها ولكنه دائم الفشل في الافصاح لها عن مكنونات قلبه تجاهها.. سافر وليد مع محمد إلى أميركا للدراسة بأمر من العم الكبير الذي أراد لأبناء العائلة مستقبلا أفضل.. شعر وكأن قلبه قد غادر جسده ليبقى في الشامية.

٭ ٭ ٭

حرص وليد على الحضور للكويت قبل اعلان نتائج الثانوية العامة لشقيقته ومنال..

حصلت الاثنتان على تقدير عال في الثانوية العامة.. تكفل وليد بمتابعة اجراءات تسجيلهما في الجامعة.. طار من الفرح عندما قرأ اسمها في الجريدة كطالبة في قسم اللغة الانجليزية.

قبل سفره لاستكمال دراسته استجمع شجاعته ودس في يدها خطابا كتب فيه أبيات شعر للشاعر الأموي الكبير «الأحوص»:

ما عالج الناس مثل الحب من سقم

ولا برى مثله عظما ولا جسدا

ما يلبث الحب أن تبدو شواهده

من المحب وإن لم يبده أبدا.

في اليوم التالي وجدها تبتسم له بحياء.. قفز قلبه وحلق في عوالم متلألئة بالضياء.

٭ ٭ ٭

لم يقبل أن يبني قصورا في الرمال بل أرادها واقعا يعيشه.. حدث والدته برغبته في الزواج من منال.. رحبت الأم بالفكرة فهي ترى في منال الفتاة العاقلة الجميلة وهي من أقربائهم.. أما الأب فكان رأيه بأن يؤجل وليد الموضوع فهو الآن بالسنة الأخيرة وعليه التركيز بالدراسة للتخرج.. أبدى وليد تخوفه من ان يقدم غيره على خطبتها خلال فترة الدراسة.. اتفق الجميع على أن تتقدم الأم رسميا على أن يؤجل الزواج حتى عودته.

٭ ٭ ٭

اتفقت العائلتان على ابقاء الأمر سرا حتى عودة وليد.. بدأت الخطابات تسافر مع رياح الشوق والحب العذري بين أميركا والكويت.. وكلما مر الوقت شعر وليد بأن العالم الرحب أمامه ضيق كفتحة الابرة فالبعد أشعل شموع الحب أكثر.. كانت رغبة وليد الصادقة بالزواج من منال دافعا قويا له للمثابرة والنجاح.

رجع للكويت حاملا الشهادة الجامعية وقلبه يقفز بين أضلعه.. أصر والده على أن ينتظر حتى يجد وظيفة ليكون لائقا للزواج.. عندما تسلم وظيفته في وزارة المالية شعر بالقوة فلم يعد الآن ما يمنع اشهار الخطبة والزواج.

٭ ٭ ٭

وقفت أم سرور عند مدخل بيت أهل منال وهي تنادي بصوت مرتفع: أم محمد يا أهل البيت.

سمع بومحمد الصوت الذي يعرفه جيدا يرحب بأم سرور التي تركتهم بعد وفاة سيدتها واستقرت في بيتها مع أبنائها ولكنها لم تترك زيارتهم بين الحين والآخر.

تعدل أم سرور العباءة على رأسها وتعابير وجهها جامدة جدا.

بومحمد: هل تشعرين بألم يا أم سرور سآخذك لدكتور شاطر.

تزفر أم سرور بقوة وتشد جبينها بعصبية.. تنظر لأبومحمد وزوجته نظرات جامدة: سمعت أن منال مخطوبة لوليد ابن صالح.

بفرح ترد أم محمد: أجل.. ولدنا..

تقاطعها أم سرور بعنف: لا يصح هذا الزواج وليد أخو منال بالرضاعة.

وكأنها ألقت بصخرة ثقيلة في البركة الخامدة.. اتضح للجميع أن فهيمة دأبت على ارضاع صغار العائلة الذين بسن أطفالها خلال فترة عملها في منزل جد محمد ومنال.. كانت فهيمة تستغل انشغال الأمهات بتبادل الأحاديث خلال فترة زيارتهن الدائمة للجدة فتقوم بارضاعهم رغم تعنيف أم سرور لها.. عددت فهيمة أسماء الأطفال الذين أرضعتهم حتى بلغ كل طفل منهم العامين من العمر.

٭ ٭ ٭

أسقط في يد الجميع.. انهار وليد ومنال من شدة الصدمة.. كانت نبضات القلوب تتغنى شوقا وحنينا ولكنه فراغ من الصعب أن يسد.. وقف الأهل بصرامة أمام وليد الذي ذبل عوده.. أما منال فوجدت نفسها بين سندان المتقدمين لخطبتها ومطرقة حلمها الذي لن يتحقق.. وافقت منال على الزواج من أحد المتقدمين لها لأنه يعمل في سفارة الكويت بمصر.. أرادت الهروب من كل شيء.

في مصر بدأت حياة جديدة تماما ومسؤوليات غربة لم تتهيأ لها.. ولكن الغربة الحقيقية هي بمقاومة مشاعر الحنين التي تطرق بالها وقلبها دائما.. كانت روحها ترفرف في الشامية في مخزون الذكريات الذي تسعى لوأده.. اعتقد زوجها أن نحيبها الدائم ودموعها الغزيرة هي لشدة شوقها للكويت وللأهل فكان يلتمس لها العذر لصغر سنها ولوحدتها.. شجعها على استكمال دراستها الجامعية.. وأحضر لها مدربة متمكنة تلقنها اتيكيت المجتمعات الديبلوماسية.. لم يطالبها بأعمال المنزل بل أحضر لها شغالات وطباخا لتتفرغ لدراستها.. أنجبت منال طفلها الأول بعد ثلاث سنوات من الزواج.

٭ ٭ ٭

غادرت العائلة الصغيرة مصر بعد ست سنوات إلى بريطانيا.. في بريطانيا أنجبت منال طفلها الثالث وحصلت على شهادة الدكتوراه ثم انتقلوا إلى باريس.. أتقنت منال اللغتين الانجليزية والفرنسية.. حرصت على تقليل زياراتها للوطن بحجة متابعة دراسة الصغار وفي الاجازات كانت تشجع زوجها على السفر إلى المصايف التي يتواجد فيها والداهما.. عرفت أن وليد تزوج من احدى قريبات والدته وانه أصبح من التجار المرموقين في الكويت.

٭ ٭ ٭

عين زوج منال في منصب كبير في وزارة الخارجية.. رجعت العائلة الصغيرة للكويت.. انشغلت منال بتجهيز مسكنهم الجديد الذي أجره زوجها في منطقة الشعب البحري وترتيب أمور أولادها الثلاثة الحياتية والمدرسية عدا مصاعب التأقلم مع البيئة الجديدة عليهم.. صدمت العائلة الصغيرة بوفاة رب الأسرة في حادث سيارة بعد مرور خمسة أشهر فقط على استقرارهم في أرض الوطن.. أحاط الجميع منال وأولادها وسعوا لتخفيف وطأة المصيبة عليهم.. لكن الهم كان كبيرا على منال فكيف ستدير حياتها وحياة أبنائها منفردة؟ لم تستطع أن ترتب أمورها، كانت تعيش حالة ضياع وتشتت.

٭ ٭ ٭

في احدى الليالي جلست منال وحيدة تتابع من النافذة الكبيرة والمطلة على شارع الخليج حركة المرور الهادئة.. كان القلق قد استبد بها فعدتها الشرعية قاربت على الانتهاء وهي لاتزال تعيش حالة الضياع.. سمعت جرس الهاتف الأرضي، انها والدتها بالتأكيد فهي تتصل بها حتى في ساعات الفجر.. حدثت نفسها وهي ترفع السماعة يا لقلوب الأمهات.. تناهى إلى أذنها صوت لم يغادر ذاكرتها أبدا.. كان المتصل هو وليد.. سلم عليها وأخبرها انه حصل على رقم الهاتف منذ يومين لكثرة انشغال باله عليها بعد وفاة زوجها.. سأل عن أحوالها.. لم ترد ولكنه انطلق يحدثها عن معرفته التامة لكل أخبارها وإن حرما من الزواج فإنه يرجوها ألا تحرمه من يكون أخا لها.

٭ ٭ ٭

تكررت المكالمات وأخذت منال تحدثه بكل مخاوفها، كان يطمئنها بأن الأمور ستمر بخير فلا ترهق نفسها بالتفكير.. عرض عليها وليد فكرة السكن في منزل والدها الكبير في منطقة الشامية فأخوها الأصغر يرغب في الانتقال لمنزله الجديد ولكن والدتها ترفض مرافقته وعودتها ستسعد أمها كثيرا.. رحبت الأم والإخوة بعرض منال وساعدوها في نقل الأمتعة.. كان وليد يريدها قريبة من منزله ليسهل عليه متابعة أحوالها.. عرض عليها فكرة أن تعمل كأستاذة في الجامعة وقام بتقديم أوراقها لادارة الجامعة.. شجعها على العمل وتطوير نفسها.. حثها على نقل أولادها لنفس مدرسة أولاده فهم في نفس أعمارهم.. زين لأولاده الصداقة مع أولاد منال وشجعهم على الحضور لديوانيته بصورة مستمرة.. تقرب من أولاد منال فكان يتابع دراستهم وأحوالهم ويرشدهم.. أحبه أولاد منال كثيرا فكان والدهم الروحي.. جميع أمور منال كانت تتم عن طريقه بدون أن يشعر أحد فلقد خصص لها مندوبا يقوم بكل أمورها وأمور أولادها.

٭ ٭ ٭

عرض عليها فكرة شراء بيت والدها وساعدها بمبلغ مالي كبير وقام بنفسه بتسجيل البيت باسمها في الدوائر الحكومية.. لم تعد منال تشعر بالخوف فوليد هو ملاكها الحارس وهو أكثر الأشخاص حرصا عليها وعلى أولادها.. لم يعلم أحد بدور وليد في حياة منال فجميع الأمور تتم بالسر.. كان وليد يتظاهر بزيارة والدة منال وبرفقة شقيقها محمد ليريح قلبه برؤيتها.. كان يمر يوميا أكثر من مرة أمام بيتهم.. يتفقد سيارتها.. يتظاهر في كثير من الأحيان بمصادفتها بالجمعية التعاونية في المنطقة وهو يقصد ذلك بعد مشاهدته لسيارتها.. كانت الأمور تبدو أمام الجميع عادية وتلقائية.

٭ ٭ ٭

برزت منال مهنيا وتقلدت العديد من المناصب.. ظل وليد هو الناصح والداعم لها دائما.. وقف مع أولادها في كل محطات حياتهم الدراسية والمهنية حتى في زواجاتهم.. وظلت المكالمات الليلية مستمرة لسنوات حتى أصيب وليد بالمرض الخبيث وسافر للعلاج.. لم يعد يتصل عليها.. كان الواقع مريرا على منال فهي في وضع يصعب معه السفر لوليد.. حتى الحديث معه هاتفيا أضحى من الممنوعات التي يجب أن تنتبه لها..وكأن صفحة الزمان الجميل قد انتهت.. ظلت تتابع أخباره عن طريق أولادها وشقيقها وغيرهم من الأقارب.. وهكذا فرض على منال أن تحبس قلقها وأن تخفي ملامح الحزن وتعاستها الداخلية.

٭ ٭ ٭

عاد وليد للوطن مريضا وأدخل مستشفى حسين مكي الجمعة.. لم ترضخ منال لإحساس القلق الذي يفرض عليها اخماد حلمها الجميل فاتخذت قرارها بزيارته في المستشفى.

بعد خروج زوجته وأبنائه وأقاربه من المستشفى ليلا دخلت غرفته.. أطلقت تنهيدة ألم لرؤيته على السرير الأبيض مستلقيا.. هيكل برزت عظامه وبجانبه ممرضه الخاص يتابع المحاليل المغذية التي غرزت بيده.. نظر لها بعينين متعبتين متسائلا.. كانت ترتدي العباءة وقد غطت وجهها بالبوشيه وأخفت كفيها داخل العباءة حتى لا يتعرف عليها أحد.. رفعت منال البوشيه وهي تحبس دموعها.. جلست على الكرسي.. ابتسم وليد فرحا وبصوت واهن أخبرها بأنها لم تغادر باله أبدا.. شعر الممرض بأن وجوده لا يتناسب مع السعادة التي تنطق من عيني مريضه فغادر الغرفة.. تحدثا طويلا.. لم يشعرا بالزمن.. أخبرها بأنه نجح بتحقيق جميع أحلامه ولكنه خذل في حلمه الكبير وان جميع الحروف تعجز عن وصف حنينه لها عندما تركت الكويت.. وان لهفته لها جعلته يبذل المستحيل حتى يراها من جديد ليرسم العلاقة الأبدية بينهما كإخوة أحباب.. عندما همت منال بالمغادرة طلب منها تكرار الزيارة حتى يحين الفراق الأبدي.. وعدته وهي ترسم على وجهها ابتسامة صافية حزينة بأنها ستزوره دائما فقلبها لم يسكنه غيره.

«وهكذا هي الحياة نفتح أبوابها المغلقة لترسم لنا حكايات نعيشها بكل مشاعرنا الانسانية تحمل معها الرجاء والأمل والألم والفرح لنحلق في الكون الفسيح وتظل الدنيا حكاية».

الخاتمة

نشكركم زوار العرب اليوم على تصفح موقعنا وفى حالة كان لديك اى استفسار بخصوص هذا الخبر إنما الدنيا حكاية.. منال ووليد « الحلقة الأخيرة » برجاء ابلاغنا او ترك تعليق فى الأسفل المصدر : جريد الأنباء الكويتية

أخبار ذات صلة

0 تعليق

مركز الخليج