تركيا وذكريات مع اربكان وعودة حزبه.. بقلم كمال الهلباوى

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ

السودان اليوم:

السفر والمرض كلاهما قطعة من العذاب الملموس ظاهريا وماديا، ولكن رغم ذلك فيهما رحمة ومعرفة وذكرى واستئناس بالتاريخ. سافرت فى ابريل الماضى إلى إسطنبول فى تركيا لألقاء محاضرة وإجراء حوار بترتيب من منظمة خريجى باكستان من الشباب الأتراك. بعضهم تخطى مرحلة الشباب اليوم، وبعضهم يحتل مراكز كبيرة فى الحكومة الحالية،أو المؤسسات الاخرى، وبعضهم لايزال عضوا فى حزب السعادة المعارض الذى أنشأه وكان يرأسه الزعيم الكبير أربكان، رحمه الله تًعالى، ويرأسه حاليا الصديق الدكتور تمل كرم الله أوغلو.
دعانى الشباب الاتراك الذين درسوا فى باكستان فى اسطنبول إلى محاضرة وحوار عن أحوال الأمة فى منتصف شهر أبريل 2019 فى اسطنبول. رحبت بالمناسبة وخصوصا أننى لم ألتق بعضهم منذ منتصف التسعينات، حيث تركت باكستان الى لندن، بسبب قانون مبارك بخصوص العائدين من أفغانستان، وهم الشباب الأتراك، عادوا آمنين إلى تركيا .
كانت أخر مناسبة مهمة شاركت فيها فى أنقرة فى أواخر 2010 محاضرة عامة فى الغرفة التجارية دعانى إليها حزب السعادة قبل وفاة الزعيم الكبير نجم الدين أربكان فى 2011 رحمه الله رحمة واسعة. زرنا الرجل فى بيته- تحت إصراره- لتناول العشاء بعد المحاضرة ، رغم أنه كان مريضا . دار حوار طويل إلى منتصف الليل، معظمه كان عن الهيمنة الأمريكية والخطر الصهيونى ، أكثر من الحديث عن الأوضاع السياسية فى تركيا والتنافس الحزبى فيها. كان الرجل مهموما بخطورة الصهيونية وكان يحمل هذا الهم فوق رأسه وظهره، رغم العلمانية الشديدة فى تركيا والتغلغل الماسوني الذى انتشر وتجذر بعد سقوط الخلافة.
تعلمت واستفدت، من أربكان كثيراً، وقد تصادقنا وتصاحبنا سنوات طويلة، وأعجبنى فيه عدة أمور قلما تجتمع فى زعيم فى العصر الحاضر. من تلك السمات، القدرة على الحديث والخطابة لمدة ساعتين أو ثلاث بحضور عشرات أو مئات الآلاف من الأتراك كبارا وشبابا دون كلل أو ملل أو تكرار. يشخص أمراض الامة وليس تركيا فقط تشخيصا دقيقا ويصف العلاج الذى يراه مناسبا، وكان بذلك يحبس أنفاس الحضور فتنطلق الحناجر بالهتافات : مجاهد أربكان، وكان لديه مجموعة شباب أو منظمة : الأكونجلار أى الشباب المجاهد ، كانوا حوله دائما ، وكانوا يحبونه أكثر من أنفسهم كما قال لى بعضهم. وكانوا يَرَوْن فيه المنقذ الذى يستعيد لهم مجد الخلافة، ولذلك كانوا يطلقون عليه: مجاهد إربكان.
كان من سمات الزعيم إربكان المرونة والتطور. لم يقف صامتا أمام عقبة الأحداث والحواجز والسدود والعقبات أو المسميات. كان يتغلب عليها بتلك المرونة. أنشأ حزب الاتحاد (النظام) فى أوائل السبعينات وجرى عليها الحظر، ثم أنشا حزب السلامة ، ولما تعرض للحظر كذلك ، أنشا حزب الرفاه، وتولى من خلاله رئاسة الوزراء بالتحالف مع الآخرين، حتى أطاح به الانقلاب العسكرى. ثم أنشا حزب الفضيلة ، ثم حزب السعادة. لم يوقفه السجن ولا الحظر فكان يعمل من خلال الآخرين. لم يقف عند الاسماء رغم أن تركيا كانت فى مخاض مع كثرة الانقلابات العسكرية، وضعف الأمن والاقتصاد.
عندما كان نائبا لرئيس الوزراء فى منتصف السبعينات لم يترك القبارصة الأتراك وحدهم بل قدم لهم الدعم والحماية، وحال بينهم وبين الابادة التى كانوا يتعرضون لها آنذاك. كنت مديرا للندوة العالمية للشباب الاسلامى آنذاك، وعقدنا سويا أول مخيم شبابى فى قبرص التركية سنة 1977، بعد أن أبرمنا إتفاقية مع الرئيس القبرصى التركى رؤوف دنكتاش ، رحمه الله تًعالى، منحنا ثمانى فلل بجوار قرية كيرينيا (غرنة) لخدمات المخيمات وتربية الشباب الأوروبى وليس فقط القبرصى ولا التركى.
ولأول مرة يسمع القبارصة الأتراك تحليلا للاتاتوركية والعلمانية قدمه الدكتور تمل كرم الله أوغلو– رئيس حزب السعادة – الحالى وكان متحمسا كثيرا وقتها ومن الشباب المقربين إلى الزعيم أربكان رحمه الله رحمة واسعة.
أخذنى الشباب قبل المحاضرة لزيارة قبر اربكان فى مقبرة مركز أفندى بالقرب من الفاتح فى إسطنبول.ويالهول الموت ويالهول المقابر. كم تضم المقابر والأرض الواسعة من ذكريات وشخصيات وتاريخ عظيم وتاريخ حقير كذلك. الارض تضم كل شيء.
تذكرت وأنا فى اسطنبول ، زيارة سابقة فى معية الزعيم أربكان وأركان حزبه إلى مسجد إسكندر باشا سنة 1977، لزيارة محمد أفندى، شيخ أربكان ، وكم كان هذا الزعيم الكبير الذى تتعالى حوله الهتافات ويكثر حوله الشباب، متواضعا وكريما وهو يجلس على ركبتيه، ليسلم على محمد أفندى ويقبل يديه ، وكذلك فعل أركان حزبه الكبار، وكان من بينهم وزير الداخلية أصيل أوغوز ترك، ومعهم البروفسيور صباح الدين زعيم والأستاذ فهيم أداك والسيد حسن أقصاى وغيرهم من رجالات الحزب وتركيا الكرام ، رحم الله تًعالى إربكان ، وكل من انتقل إلى رحمته، وسدد خطانا جميعا إلى ما فيه الخير لبلادنا وللانسانية كلها. ولعل الأيام المباركة القادمة تكون نبراسا لنا وهدى لنخرج من التحديات الكثيرة فى الامة، لنوحد صفوفنا ونخرج من أمراضنا جميعا لنستعيد مقدساتنا وكرامتنا التى ذهب بها ترامب المخبول والصهيونية الحاقدة.
كان أربكان رحمه الله تعالى إصلاحياً كبيراً ومن أهم مشروعاته الثمانى الكبار فى الأمة لو استجابت له وحدة أو حتى التنسيق والتكامل بين مصر وتركيا والسعوديةً وباكستان ونيجيريا وإندونيسيا وإيران وماليزيا. نحن أحوج الى هذا المشروع اليوم لمواجهة الخطر الصهيونى والهيمنة الامريكية. يعز علينا أن نسمع مخبولا مثل ترامب يذكر أهل الخليج من حين لآخر بانه لولا حمايته لهم لما بقوا فى الحكم أسبوعين ولا حافظوا على طائراتهم الخاصة.
أتمنى وأدعو الله تعالى أن يجمع شمل الاصلاحيين جميعا فى تركيا بل فى الأمة لمواجهة الضغوط والتحديات الداخلية التى تزداد هذه الايام مع ترامب ونتنياهو ومن على شاكلتهم من ساسة العرب وحكامهم . وخصوصا مخطط صفقة أو صفعة القرن التى ترفضها الشعوب العربية والاسلامية ، ويلهث وراءها وفى إنتظارها بعض الحكام والساسة العرب، إنتظارا للسمن والعسل ، وحظوة عند المجنون ترامب ، ودورانا فى فلك الصهيونية والنتنياهو، دون إدراك المخاطر والأخطار المتوقعة ،ولا الوقوف وحشد قوى الأمة لمواجهة التوسع الصهيونى والتمدد الاسرائيلى لإقامة إسرائيل الكبرى.و ، وخطوة عند المجنون ترامب ودورانا أقمنا فى منطقة الفاتح لمدة اسبوع، ورغم العلمانية التركية الشديدة وتعاليم أتاتورك إلا ان الفاتح علامة من علامات الاسلام والخلافة. ربما بجهود محمود أفندى والعلماء مثل الشيخ أمين سراج وغيرهما مع بركات المساجد والتاريخ العظيم والخلافة العثمانية التى يراها بعض الاعراب احتلالا ويرون الاحتلال الصهيونى تطبيعا. كان أربكان رحمه الله تًعالى ، يحتفل سنويا فى أواخر شهر مايو من كل عام بفتح اسطنبول فى تلك المنطقة المباركة العزيزة على قلوبنا جميعا. عدت من اسطنبول وأحمل همين، هم المرض وهم الخوف من تراجع شعبية الحزب الحاكم وخصوصا فى ضوء الانتخابات المحلية الاخيرة وخسارة بلدية أكبر مدينتين إسطنبول وأنقرة ، بعد ان كانت شعبية الحزب الحاكم فيهما ومن قبله مع أربكان رحمه الله، شعبية كبيرة طوال ربع قرن تقريبا. ولكن هذه هى الديموقراطية، والشعوب حساسة وان أجبرت على قبول الاستبداد زمنا طويلا. نعود فنوضح باذن الله تًعالى فى مقال اخر بعض الجوانب السياسية والرؤى الإصلاحية التى يراها بعض السياسيين الأتراك اليوم. وبالله التوفيق
كاتب مصري

راي اليومl

نشكركم زوار العرب اليوم على تصفح موقعنا وفى حالة كان لديك اى استفسار بخصوص هذا الخبر تركيا وذكريات مع اربكان وعودة حزبه.. بقلم كمال الهلباوى برجاء ابلاغنا او ترك تعليق الأسفل المصدر : السودان اليوم

أخبار ذات صلة

0 تعليق