أخبار عاجلة
احوال الطقس اليوم 22-1-2019 -

الكتب المؤسسة في الذاكرة البشرية.. الآثار الإيطالية أُنموذجاً

الكتب المؤسسة في الذاكرة البشرية.. الآثار الإيطالية أُنموذجاً
الكتب المؤسسة في الذاكرة البشرية.. الآثار الإيطالية أُنموذجاً

اليكم تفاصيل هذا الخبر الكتب المؤسسة في الذاكرة البشرية.. الآثار الإيطالية أُنموذجاً

يحيى امقاسم | منذ 3 دقائق في 1 يناير 2019 - اخر تحديث في 31 ديسمبر 2018 / 21:24

شهد تاريخ البشرية مفاصل هامة في تخليد التجارب الأكثر نزوعاً للإنسانية المشتركة وللروح الواحدة التي تضم سلام ومخاوف الإنسان حيث يكون. لم تكن الجغرافيا عازلاً أو مانعاً ولا اللغة لنقل صورة الآخر وآثاره وكلماته. هذا ما حدث منذ بداية المعرفة بالكتابة وبمهمتها الكبرى بين الشعوب، ثم أتت الترجمة كعلم كبير تعددت طرقه ووسائله. ما يعنينا اليوم وفي هذا المقام داخل هذه الجامعة العريقة هو الأثر الهائل الذي تركته اللغة الإيطالية، وقبلها اللاتينية، في الذاكرة العربية لساناً وثقافة وفعلاً.


لقد بقي التاريخ مليئاً بتلك الشواهد التي أثرت الأفكار والعقول بمآثر الرواد الكبار، ونقصد تلك الكتب التي استطاعت أن تكتسب ما يُمكن وصفه بالخلود والبقاء عبر الزمن، وقد سمتها الأوساط العالمية بالكتب المؤسسة وهي التي أقامت اللبنة الأولى أو البذرة الأولى في بناء وانتشار الأعمال التي تأتي من طبيعتها. وأمثلتنا اليوم من أرض إيطاليا وإنسانها هي الكتب المؤسسة في علوم السياسة والآداب. وهي «الكوميديا الإلهية لدانتي، و»ديكاميرون» لبوكاشيو، وكتاب «الأمير» لميكافيللي.. وجميعها كما تعرفون تنتمي لمرحلة حاسمة في تاريخ الآداب والفنون على أرض أوروبا التي انعكست بعد ذلك على كافة الأقطار، وهي المرحلة المتعلقة بعصر النهضة وغروب القرون الوسطى من هذه القارة. فهذه الآثار الخالدة ولدت في ذلك العصر التنويري الهام والذي اعتبر خلاصاً كبيراً للإنسان أولاً ثم اقترن بميلاد هذه الكتب التي راحت تنمي الوعي الإنساني في مجالاتها، السياسية والأدبية تحديداً.

وهنا سأتحدث عن ترجمة تلك الأعمال إلى اللغة العربية من واقع ما توفر لدي من معلومات، ومن منطلق السرد الذي أتى في مقدمات الترجمة لهذه الأعمال الثلاثة التي أثرت في بنى الحضارات واستوعبتها قرون من الزمن تلت صدورها وحتى اليوم..

أولاً: الكوميديا الإلهية لــدانتي أليغييري

أو «الملهاة الإلهية»

لقد أخذ هذا الكتاب حقه كاملاً من الرحلة التي عاشها دانتي في تأليفه، حيث بدأه 1308 وانتهى منه عام 1321م مما لا يترك عجباً حول هذه الرحلة المدهشة مع الكتابة عندما تقف على تجربة عريقة وقديرة أن تعيش كل هذا العمر بيننا.

كانت أول تجربة ترجمة لهذا العمل من قبل الأديب الباحث المصري حسن عثمان الذي تعلم ودرس الآداب والفنون في روما بداية من عام 1934م، وذكر أنه ارتحل داخل إيطاليا ووقف على أماكن عاشها دانتي ومجايلوه من عصر النهضة. وذكر في تصديره لترجمة هذا العمل قائلاً أنّه عام 1941م فكر أن يضع كتاباً عاماً عن تجربة دانتي «حياته ومؤلفاته» لكنه لم يفعل لحجم المسؤولية. عاد لمصر ثم درّس وحاضر حول دانتي في جامعتي الإسكندرية والقاهرة بين عامي 1942 ـ 1950م، كما نشر مقالات عنه وعن شخصيات النشيد الأولى «الجحيم» من «الكوميديا الإلهية» وذلك ما بين عامي 1948 ـ 1950م.

ومن ذلك يتضح لنا أول اهتمام بعمل الكوميديا الإلهية، وإن كانت هناك تجارب مماثلة لم ترد وخاصة فيما يتعلق بمحاولات النقل للغة العربية وخاصة بعد اكتمال التكوين الجغرافي للدول العربية القائمة اليوم، أو ما قبل 1850م، وهناك الكثير من البعثات التعليمية التي تلقت العلوم والمعارف على أرض أوروبا ولا بد لها أن قرأت هذا العمل المؤسس بغير اللغة العربية. وهو ما ذكره المترجم حسن عثمان لما اطلع عليه من ترجمات إنجليزية وفرنسية.

يذكر أنّ أول ترجمة صدرت عام 1955م من دار المعارف في القاهرة، وقدمت النشيد الأول «الجحيم» ثم النشيد الثاني «المطهر»، واحتوت في مقدمتها ما يُقارب 80 كتقديم للمترجم سرد فيها مراحل عمل الترجمة ومنطلقاته وأشار إلى الأثر المسيحي في بناء العمل من حيث قراءة الحياة الآخرة والانتقال إلى العالم الغيبي، مقارناً ذلك بما هو في جذره الثقافي كمسلم وما تركه التراث الإسلامي في هذا الجانب الهام.

ونطالع في كثير من المصادر قراءة هذا العمل من حيث بداية دانتي بالتصور عن «الجحيم.. تبدأ الرحلة بدخول دانتي غابة سوداء قادته الى مدخل الجحيم ليبدأ رحله تستمر»، وما يحدث بعد ذلك من متواليات عن شخصيات وأحداث في الجحيم والألم والغفران... إلخ. وهناك من يذهب لمقارنة عمل دانتي برسالة الغفران للمعري، وربما يكفينا هنا أن نذكر كتاب المستشرق الإسباني ميجويل آسين بلاثيوس «العلم الإسلامي لما بعد الحياة في الكوميديا الإلهية» سنة 1919م في محاولة منه لدراسة كتاب دانتي في موازنة مع مؤلفات متصوفي الإسلام كمحي الدين بن عربي وبعض صور الإسراء والمعراج. نذكر هذا لنؤكد لأنسفنا التقاء القيم الإنسانية في رابط الكتابة والإبداع، ولا يمكن تمحيص ذلك بأكثر من ترجمة حصيفة وصادقة ترى في الكوميديا الإلهية ليست ثمرة العصور الوسطى وحسب؛ بل هي بداية العصر الحديث.

وذكر المترجم عدداً من المحاولات في ترجمة دانتي في البلدان العربية أو الإشارات كقُسطاكي الحمصي حينما كتب 9 مقالات في مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق سنتي 1927 ـ 1928م عن الموازنة بين (الألعوبة) الإلهية ـ يقصد الملهاة ـ ورسالة الغفران، ومن القاهرة، وفي مجلة الرسالة نشر محمود النشوي عشرة مقالات عام 1934م، كما كتب دريني خشبة ستة مقالات في المجلة ذاتها 1936م، بينما في بيروت نشر عمر فرّوخ عام 1944م كتاباً عن حيكم المعرّة وخصص فصلاً موجزاً عن دانتي والكوميديا وتأثره بالمعرّي والتراث الإسلامي.

وفي 1930 ـ 1933م ترجم عبّود أبي راشد الكوميديا نثراً بعنوان «الرحلة الدانتية الإلهية» في ثلاثة أجزاء، كما نشر أمين أبو شعر «الجحيم» نثراً في القدس 1938م.

وفي ترجمة كاملة من النسخة الفرنسية صدرت بالنسخة العربية عام 2002 من دار المؤسسة العربية للدراسات والنشر (عمّان ـ بيروت) وقام بترجمتها الدكتور كاظم جهاد، اديب ومترجم عراقي مقيم في فرنسا. وذكر المترجم في مقدمته للعمل «هذا عمل من شأنه في اعتقادنا أن يُنعش التجارب الشعرية العربية الجديدة، شريطة أن يفطن القارئ لتعددية عناصره وألاّ يرتبط من عزمه هذا التراوح الدائم المقيم في صلب طبيعته كعمل ملحمي بين السرد البسيط والهدير الشعري والحوار المأساوي والحِجاج الفكري والاستنطاق الفلسفي والتناول التاريخي...».

كما قدمت دار ورد من سوريا الكوميديا الإلهية في ترجمة لحنا عبود ولكن لم تظهر من المصدر أي لغة تمت الترجمة التي صدرت عام 2007 في دمشق.

ثانياً: ديكاميرون لــ بوكاشيو

(1313 ـ 1375م)

يحضر هذا الكتاب في الذاكرة العربية، من حيث لغتها الأم، منذ 1929م فقط، وهو الذي قد ظهر من قبل سبعة قرون باللغة الإيطالية العامية (المنشقة حينها من سطوة اللغة اللاتينية». ما يجعل هذا الكتاب من الآثار الخالدة قدرته على تأسيس منهج القص الحديث وسطوع بداية العمل الروائي والحكاية المكتوبة في شكلها المعاصر. وهذا ما يدفع المهتمين بالترجمة إلى تقديمه والتعريف به حول هذا العمل المؤسس.

المقام ليس للحديث عن أهمية هذا الكتاب، ولكن في عجالة نستعرض قصة ترجمته أو مراحل ترجمته للغة العربية..

أول ترجمة ظهرت من هذا الكتاب هي لمجموعة من القصص، ترجمها كامل كيلاني عام 1929م وضمنها في كتاب بعنوان «مختار القصص» من مكتبة الوفد في القاهرة، ثم مجموعة أخرى في كتاب بعنوان «روائع من قصص الغرب» عام 1933م من مكتبة ومطبعة عيسى البابلي الحلبي في مصر. ثم عام 1956م أصدرت «سلسلة كتابي» في القاهرة كتابها الثالث عشر بعنوان «الدّيكاميرون/ ألف ليلة وليلة الإيطالية» وترجمة إسماعيل كامل.

ثم عام 2006 صدر العمل كاملاً في دار المدى (دمشق، بغداد) بترجمة المترجم القدير صالح علماني عن اللغة الإسبانية، وقدم له علماني فيما يقارب 40 صفحة مستعرضاً أسلوب بوكاشيو القصصي وقدراته على بناء حكائي متماسك وسرد متتاليات بدأت بالخوف من الوباء ثم انتقلت إلى السلوان والحب. وأراد المترجم أن يظفر بكل ما هو في صالح هذا الكاتب الرائد والذي أسس بالفعل لفن السرد وأبقى لكتابه هذه العلامة الفارقة في تاريخ المؤلفات وجعل من إبداعه إلهاماً لا ينضب عبر القرون من الزمن.

ثم صدرت طبعة جديدة من الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة في القاهرة في مجلدين، وترجمها من الإيطالية عبدالله عبدالعاطي، وعصام السيد. وكتب أستاذ اللغة الإيطالية في جامعة حلوان حسين محمود في تقديمه للترجمة أن «الديكاميرون تسمية محرفة لعبارة (عشرة أيام) باليونانية، ومدلول التسمية مستمد من ارتباط بوكاتشو وعصره باللغة اليونانية، لتصبح الصيغ، حتى المنحوت منها، صيغاً شعبية، موافقة للذائقة العامة، وهو ما يعكس مدى شيوع النزعة الإنسانية وقوّتها التي تسعى إلى إعادة تبنّي ملامح الثقافة الكلاسيكية، والبحث المحموم عن المخطوطات القديمة، وترجمتها من أية لغة إلى اللاتينية، وفكرياً، هي التي أنزلت الفكر من السماء إلى الأرض، ووضعت الإنسان في مركز الكون».

ثالثاً: «كتاب الأمير» لــ نيقولا ميكافللي

(1351م ـ ونشر في 1352م)

لقد أخذ هذا الكتاب نصيبه كاملاً من الانتشار والحضور على مستوى العالم منذ نشره بعد رحيل صاحبه، عام 1352م، وما زال ينتقل في الأوساط الثقافية بترجمات مختلفة ومتعددة. ولعله من المناسب هنا أن نقول مقولة ميكافيللي «الغاية تُبرر الوسيلة» ونقصد هنا تعدد ترجماته والغاية انتشاره كما يُراد له، وهو ما لم يكن يتوقعه صاحبه كما يقول بعض المترجمين العرب. بدأت ترجمة هذا الكتاب منذ وقت مبكر ونجد المترجم أكرم مؤمن من مصر قد ألمح إلى أهمية الاطلاع على هذا الإصدار في ترجمته له وصدر عن دار مكتبة ابن سينا في القاهرة، وهو يحذر من مزالق ما يحتويه في مقارنة مع قيمه المحافظة. وهذا النهج في الترجمات والتحذير مما تنقله أعمال الترجمة للآداب كان هاجساً لدى الكثير من المحافظين في بلدان عربية وفي مرحلة معينة.

يقول المترجم أكرم مؤمن في تقديمه للكتاب «ترددت قليلاً قبل الإقدام على ترجمة كتاب (الأمير)... وذلك لأنّ اسم مكيافللي في حد ذاته لا يرتبط بأي معنى طيب في ذهن القارئ العربي العادي، بل إن كثيراً من القراء العرب والمسلمين لا يعرفون عنه سوى أّنه صاحب عبارة (الغاية تبرر الوسيلة)...»، ويُعيد المترجم ذلك على ما تركه الكتاب من إثارة في الأوساط الأوروبية عند نشره وأن منعاً طال أعمال مكيافللي عام 1559م. ويؤكد المترجم أهمية الكتاب من حيث أثره البالغ في عالم السياسة وأنه يعد الأول في مجاله فضلاً عن محتواه حول تاريخ إيطاليا

كما صدرت عدة ترجمات لهذا الكتاب ومنها طبعة دار الرافدين في بيروت ترجمة محمد لطفي جمعة، وقدّم له الدكتور ياسر عبد الحسين، ولذات المترجم من دار مشارف، وأحمد لطفي عبدالسلام من دار العالمية للكتب والنشر، ومؤسسة هنداوي للتعليم.

(ورقة شارك بها الروائي السعودي في احتفال الملحقية السعودية في إيطاليا باليوم العالمي للغة العربية في جامعة لاسبينسا ـ روما)


نشكركم زوار العرب اليوم على تصفح موقعنا وفى حالة كان لديك اى استفسار بخصوص هذا الخبر الكتب المؤسسة في الذاكرة البشرية.. الآثار الإيطالية أُنموذجاً برجاء ابلاغنا او ترك تعليق فى الأسفل المصدر : الحياة

السابق بسبب علاج جديد.. مشادة على الهواء بين أستاذ كبد وصاحب شركة أدوات صحية
التالى دور المجموعات بأبطال أفريقيا «على نار».. الأهلي يتصدر وشباب قسنطينة يُطيح بالبطل التاريخ