د.عبد العزيز الغَريبي يكتب: “مشكورة” يا البصرة

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ

أثير- د.عبد العزيز الغَريبي

“مشكورة..تردين الصدق..؟ ماقصريتي!” من أبيات الشاعر العراقي الكبير داود الغنام والتي مضى بها توريةً كعتابِ محب، لكنني استقطعت هذا الشطر اقتباسًا مباشرًا معنىً ولفظًا.

دُعينا وصديقي الشاعر طارش قطن لحضور مهرجان المونودراما المقام في البصرة للمرة الأولى في العراق، لم نتردد في قبول الدعوة في ضوء معرفتنا بقدوم أصدقاء عراقيين مقربين خَبِرتُ طيب معشرهم في لندن فترة دراستي، وكان من بينهم الصديق الملحن نامق أديب، هذا الرجل اللطيف والمؤثر بتواضعه وأخلاقه العالية، الذي طالما كان مثالا للإنسانية المتجردة من كل الألقاب والخبرات والتجارب، لم أره مباليًا قط إلا بخدمة أحاسيس ووجدان من حوله، وذلك بفنه وعطائه الإنساني الذي قلما نحظى به من أناسٍ مروا بكثير من المنعطفات والظروف القاسية ومنها الغربة؛ فقد تغرب الأستاذ نامق عن بلاده العراق سنوات تناهز الثلاثين إبان الحرب العراقية الإيرانية حيث بدأ بالبروز فنيا وكان متنقلا حينها بين البصرة ودولة الكويت حتى لجأ إلى المملكة المتحدة وقت الغزو الصدامي على الكويت، وحتى لقائنا الأخير في البصرة لم تطأ قدماه العراق منذ ذلك الوقت.

كم أتمنى لو كنت كاتبا أو شاعرا لأترجم هذه الاستجابة الوجدانية لما أثارني في زيارتي للبصرة بشكل أبلغ وأوفى، بما فيها لحظات التقاء الإنسان نامق أديب بأرضه وأهله وأصدقائه بعد زمنٍ طويل جعلني أُدرك صغر تجربتي زمنيا ومعنويا، لحظاتٌ ترجمت رحلةً استقى فيها الكثير من المهجر وما قبله، حيث مرت بلاده بما لا يخفى عليكم ولا يتسع المقال لسرده.
لقد صدح الملحن الكبير نامق أديب بألحانٍ خالدة في ذاكرة الأغنية العراقية وأبرز مفرداتها بطربٍ أضفى لشخصيتها ألقًا وأبعادًا راسخة، فمن أعماله المغنّاه: “تايبين” و “لو تزعل” و “مجروحين” وأخرى عديدة للفنان الكبير (ياس خضر)؛ ولحّن “مشكورة” و “آخر زمن” و “تعودت” وغيرها للفنان (فؤاد سالم)، و “ولفي وريده من هله” و “إل مايثمنك عوفه” و “موغريبة” للفنان (قحطان العطار) وكذلك لحّن “ضيعتني” و “آنا الربيت” و أخرى للفنان (محمود أنور)؛ كما قدّم للثنائي العراقي ميّ و وحيد مجموعة كان أبرزها أغنية (غدّاره)؛ وغنّى ألحانهُ مجموعة من فنانين عرب كـ (سميرة توفيق)، و(راشد الماجد)، و(رباب)، و(رابح صقر) وآخرين.

باختصار .. لن توفي مقدمتي البسيطة حقه وسيرته الذاتية المليئة بالأعمال والمنجزات الإبداعية، فاكتفيت ببعضها كبطاقة تعريفية لفنانٍ تحتفي به بلاده هذه الأيام بعد انقطاعٍ دام ثلاثين عامًا.

بلادُ الحضارات والشعر والفن والأدب، بلادٌ حباها الله بالإنسان قبل المال والموارد الطبيعية؛ الإنسان الذي عصفت به الظروف فلا تتغير قيمه ومبادئه بل تزيده جلدًا ورفعةً وسموًا، وتتجلّى فيه الثقة بالجمال ليبث الحب والكرم والوفاء. ذلك الإنسان العظيم هو عزاؤنا تجاه كل ما مرت به العراق من أتراحٍ لامست إنسانيتنا وعروبتنا.

فمنذ لحظة استقبالنا ونحن في كرمٍ مُغدق بأصالة أهل البصرة من السيد المحافظ وحتى سائق الأجرة، فكانوا كمفاتيح الولوج لوجدانِ كل حُرٍ و فنان، إلا أن كلماتي تتواضع تعبيرًا في حضرة فعلهم وبلاغة ألسنتهم، كيف لا وهناك مَوْسَقَ الفراهيدي العُماني اللغةَ بعلم العروض، وهناك خرج عن بحورها السيّاب بالشعر الحر. وكأيِ مبدعٍ تستفزه عمق تلك الأبعاد التاريخية والحاضرة بأمل الغد الأجمل لم تهدأ قريحة صديقي الشاعر طارش قطن بمجرد أول إطلالة له على شط العرب، فارتجل قائلًا:

سلاماتي على أرض الكرم والعز والفطره..
عراق اللي تجذر بي وانبت عشق بأعماقي

سلاماتي إلى بابل إلى بغدادنا الحره..
إلى روح الجنوب اللي تبنت كل أشواقي

سلاماتي على البصره وردت للعمي بصره..
يصب النور معناها ملء قلبي وأحداقي

تمنيت الزمن يرجع لها وأعيش لو مره..
على شط العرب وأجمع شتاتي وحُمق إخفاقي

تمنيت الزمن يرجع وأنسى واقعي وعذره..
أعانق دمعة السياب وأرتب كل أوراقي

هنا أنثر تفاصيلي حزن وأحلام مندثره..
أمل اسمه عراق المجد يحاصرني بأوثاقي

أحاول أكسر الأطواق وأتمرد على الفكره..
كأني عدت له في يوم وبدد كل أطواقي

نفض عنه ثياب الغدر و رّز البشت والغتره..
يقول آنا العراق الحر أنا باقي أنا باقي

بلا فتنه بلا فرقه ينادي من أجل بكره..
أنا مستقبل الأمه بوحدة كل أعراقي

أنا من شكل التاريخ حضارات الزمن عَبره..
ولا ظُلمه ولا مِحنه تخفي شمس إشراقي

نهايةً، لا يسعني إلا أن أشكر جميع القائمين على مهرجان البصرة مونودراما لكل ما قدموه لجميع الضيوف والمشاركين، وأبارك لهم نجاح هذه التظاهرة الثقافية الرائعة وأخص بالذكر محافظ البصرة السيد أسعد العيداني والأستاذ فرحان هادي مدير المهرجان والأستاذ سلام العيداني المنسق العام للمهرجان الذين وغيرهم احتووا قلوب وعقول جميع الوفود ووفروا كل الإمكانات المتاحة لنجاحها، وذلك يعكس مدى جاهزية البصرة وغيرها من المحافظات العراقية على استعادة الألق الذي يصبون إليه.

نشكركم زوار العرب اليوم على تصفح موقعنا وفى حالة كان لديك اى استفسار بخصوص هذا الخبر د.عبد العزيز الغَريبي يكتب: “مشكورة” يا البصرة برجاء ابلاغنا او ترك تعليق الأسفل المصدر : أثير

أخبار ذات صلة

0 تعليق