7 أيار 2008 : تأسيس لبنان الرثاثة

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ

إذا كان 13 نيسان 1975 هو يوم موت لبنان الجمهورية الأولى، بميثاقه وصيغته، فإن 14 شباط 2005 هو يوم اغتيال لبنان الجمهورية الثانية، بوثيقته ودستوره.

وإذا كانت "انتفاضة الاستقلال" في ذاك الربيع اللبناني، قد حاولت جمهورية لبنان الثالثة، فإن منظومة الاغتيال والتفجير والإرهاب (المادي والمعنوي) أجهضت تلك المحاولة التاريخية، وفرضت - بالخوف والريبة- نكوص اللبنانيين إلى قوقعات طوائفهم ومذاهبهم. وتحول لبنان إلى استعصاء مديد.

منظومة العنف
على أرض هذا الاستعصاء، لم يكن أمام اللبنانيين سوى خيارين: الاستسلام لـ"جهاز" الاغتيال أو الانزلاق إلى الحرب الأهلية. وكان الخيار الأول بظنهم أقل هولاً وفداحة. وعلى هذا الظن، كانت سياسة مساكنة الوحش بطموح ترويضه، بوصفها سياسة أقل خطراً من مواجهته.

تجمع منظومة العنف والقوة والسلاح، أو ما يسمى "ممانعة"، عصابات ميليشياوية من بقايا متبطلي الحرب، ومنظمات العسس وزعران الأحياء المرعيين من المخابرات السورية وفروعها وشبكاتها، ومن محترفي أحزاب وحركات هي على شاكلة رثاثة "البعث" وما شابهه، وتنضوي كلها بإمرة "حزب الله" وغرفة عملياته.

واشتغلت هذه المنظومة على امتداد ثلاث سنوات (2005 - 2008) على الترويع والاغتيال وزرع عبوات الليل وبث الفوضى، وافتعلت حرباً مدمرة في صيف العام 2006، واعتصمت بالقوة والعنف في قلب بيروت وأغلقت منافذه، وأماتت الحياة فيه، وعطلت عمل الدولة، وأقفلت مجلس النواب، وعزلت رئاسة الجمهورية، وحاصرت رئاسة الحكومة.. وعلّقت الحياة الدستورية، وأخرجت النظام اللبناني برمته عن ركن الديموقراطية وشروط الوفاق الوطني، ورهنت السلم الأهلي بإصبع "الأمين العام" وعباءة غضبه.

الغزوة
في السابع من أيار 2008، ارتفعت تلك الإصبع المتوعدة، كإشارة "نفاد صبر" وكعلامة على العقاب الذي سينزل بلبنان واللبنانيين. وانطلقت بعد ظهر ذاك اليوم جحافل رعاع على مئات الدراجات النارية من أزقة الأوزاعي والجناح والشياح والغبيري.. بصحبة السيارات الرباعية الدفع، السوداء لوناً وزجاجاً، بكامل أسلحتهم وقواذفهم وقنابلهم وراياتهم الكالحة، نحو الشطر الغربي من العاصمة. وتزامن مع انطلاق الغزوة هذه، خروج الزمر والشلل والخلايا النائمة المدججة بالأسلحة، المزروعة والمتأهبة في شقق وأقبية ومستودعات داخل بيروت، إلى الشوارع والساحات وتقاطعات الطرق، في تكرار مقيت لحرب شباط 1984، وبدأوا بترويع السكان واستباحوا المدينة خطفاً وقتلاً وإرهاباً واستعراضاً بشعاً لتفلتهم الميليشياوي ولازدرائهم بالناس والعمران وحرمة الدولة والمجتمع. وأمضوا أياماً ينشرون السواتر الترابية على الطرقات العامة وأقفلوا المطار وأحرقوا الدواليب على الأوتوسترادات وسلطوا قطّاع الطرق على المدنيين، وسيّدوا السواقط والحثالة على الناس والأهالي.

كنت حينها محاصراً في جريدة "المستقبل"، حين بدأوا بإطلاق الرصاص علينا مباشرة، ثم انهالت قذائف الـ آر. بي. جي (بي 7)، وبدأ حريق مكتبي. هجم الأشاوس على المبنى صارخين: "سلّم تسلمْ". وآخر مرة سمعت هكذا عبارة كانت من الجنود الإسرائيليين أثناء تصدينا لاجتياح بيروت عام 1982.

أفضت أيام 7 و8 و9 أيار إلى ما سيسمى "اتفاق الدوحة"، وهو عنى أمراً واحداً: تسليم لبنان إلى سلطة حزب الله، الذي أرسى نظاماً سياسياً قوامه "دولة واجهة" و"دولة خفية". والأخيرة هي التي تحكم وتأمر وتقرر.

مصير الضفدع
وعلى سياسة الاستباحة في أيار 2008، وتثبيت الغلبة والولاية والوصاية، سينتقى رئيس الجمهورية وستؤلف الحكومات وتسن قوانين الانتخابات وترسم السياسة الخارجية والعلاقات بالأقربين والأبعدين، ويُسمى من هم الأصدقاء ومن هم الأعداء ومن هم الحلفاء، وينضبط الاقتصاد ومرافقه ومؤسساته على هدي هذه السياسات ومفاعيلها، ويقيم المنتصرون على توزيع الموارد ومنابع السيطرة والنفوذ.. فتؤخذ المعابر البرية والبحرية والجوية من يد "الشرعية" وتُجيّر لمنظومة "الممانعة" ومشاريعها وخططها وشبكات إمداداتها وتهريبها واستيرادها وتصديرها.

وعلى شاكلة "أخلاق" 7 أيار ويومياتها، وبعد ثلاث سنوات، سيمتد "طريق القدس" (ومزارع شبعا!) عبر بيروت الغربية إلى القصير وريف حمص وأرياف حماة وأدلب، وسيصل طريق القدس المعبد بالدم والتشريد والتدمير والبراميل النازلة على النساء والأطفال إلى حلب وما بعد ما بعد حلب.. وسيلاقي حزب السلاح في الأثناء من هم أسوأ منه وعلى شاكلته من "قاعدة" و"داعش" وعصابات ظلامية، في مشرق عربي تحكمه حثالة فاسدة وتغزوه حثالات التوحش في آن واحد.

وفي الأثناء استكان اللبنانيون إلى هيمنة القوة وشروطها، وراحوا يخسرون مقومات نظامهم، وتتفاقم عزلة بلدهم، ويتكاثر أعداؤه، وتنضب موارد اقتصادهم، وتنحط أحوالهم، ويتفشى فسادهم، وتتبدد آمالهم، ويتشبهون بغزة المحاصرة نموذجاً، وبفنزويلا الفاشلة صديقاً وبسوريا الأسد شقيقة وبإيران المارقة حليفاً وبكوريا الشمالية الجائعة قدوة. فتراكمت على امتداد 14 عاماً (أي منذ لحظة اغتيال رفيق الحريري) كلفة الحرب الأهلية "الفاترة" التي تتبدى اليوم إفلاساً غير معلن، فيما أهل الانتصارات يراكمون الموت كوعد وحيد لمستقبلنا.

وهكذا، إذ نستعيد ذكرى "اليوم المجيد" في السابع من أيار، نرى اللبنانيين على شاكلة الضفدع في طنجرة مياه على نار هادئة، مطمئنين إلى دفء "الممانعة" وغليانها المميت.  


أخبار ذات صلة

0 تعليق