الكابوس العثمانلي!

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ

وإليكم تفاصيل الخبر الكابوس العثمانلي!

اشترك لتصلك أهم الأخبار

لست من أنصار إسقاط المعايير المعاصرة على ظواهر أو أحداث تاريخية قديمة أو وسيطة، أو حتى تمت ووقعت فى مطلع ما يعتبره المؤرخون تاريخًا حديثًا، أى مقترنًا بعصر النهضة الأوروبية وما بعده.. لأن لكل ظاهرة ظروفها الموضوعية المكانية والزمانية والفكرية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية، التى أحاطت بها وحكمتها.. وما أحاول الاجتهاد ضمن مساحته هو قراءة السياق التاريخى والتقاط مفاصل العلاقات بين الظواهر التى حدثت فى زمن واحد أو متقارب، مثلما التقطت الزمن المشترك بين بدايات عصر النهضة الأوروبية فى شمال إيطاليا وبين الغزو العثمانى للشام ومصر، وأشرت لذلك فى مقال الأسبوع الفائت.

إننى أعلم أن هناك من يرى فى التحرك التركى العثمانى حتمية تاريخية فى ضوء تحرك قوى أوروبية باتجاه المنطقة «أرض الإسلام»، وفى ضوء عدم قدرة المماليك على صد ذلك المد الاستعمارى الأوروبى «الصليبى»- حسب رأيهم- وعليه كان لابد من قوة تستطيع صد تلك الهجمات وتستطيع فرض سلطانها على المنطقة بالطريقة التى كانت عليها الخلافتان الأموية والعباسية، والأهم هو حماية الحرمين الشريفين، التى كانت ضرورة لازمة لإضفاء الشرعية على من «يرث» الخلافة، حتى وإن لم يعرف من الدين سوى الشهادتين، ومن العربية سوى البسملة!.

ولقد لفت السفير المرموق، والمثقف صاحب الدور الكبير فى بناء وإعمار وإدارة المكتبات العامة فى مصر المعاصرة، عبدالرؤوف الريدى، إلى أن مقال الأسبوع الفائت يفتح الباب لمناقشة ثقافية عامة واسعة النطاق حول معالم النهضة، خاصة العمرانية فى العصر المملوكى، وهو ما عطله الغزو العثمانى، الذى عمل على نزوح أو تجريف الخبرات الفنية والتقنية المصرية إلى الأناضول.. وهى مناقشة لابد أن تعتمد على ما قدمه أساتذة أفذاذ، درسوا الحقب المملوكية عبر تاريخ مصر بعد الغزو العربى، وهناك عشرات المصادر والمراجع التى اتصلت بالحقب المملوكية وعالجت مكوناتها السياسية والحربية والاقتصادية، وأيضًا الحضارية والثقافية، بل إن هناك روادًا من أساتذة الجامعة المصرية تخصصوا فى العمارة الإسلامية، التى ازدهرت وبلغت ذراها فى عمارة المساجد، ولعل ما ألفته الدكتورة سعاد ماهر يعد نموذجًا رائعًا فى هذا المضمار.

لقد تمخض زحف من عرفوا فى تاريخ أوروبا بالمتبربرين أو الهمج من قبائل الاستبس عن تطورات حضارية وسياسية امتزجت فيها المعالم الرومانية مع القوطية وغيرها، وحل محل التكوين الإمبراطورى الرومانى تكوينات أسست لما عُرف باسم الدولة الوطنية، التى انبثق منها فيما بعد عصر النهضة، أما زحف القبائل المغولية منذ التتار إلى الأتراك السلاجقة والعثمانيين فلم يتمخض عن إضافات أو تطورات فى مضمار الحضارة والثقافة والمدنية، وربما كانت الأهمية القصوى لمسألة الحرب والتوسع والدفاع عن حوزة الديار الإسلامية هى المضمار الذى ظهرت فيه مواهب الأتراك العثمانيين، ولن نستطيع أن نمحو بممحاة تلك القرون من تاريخنا، وما نستطيعه هو قراءتها قراءة محكومة بالقواعد العلمية، ونستخلص دروسها التى منها أن الترسانة العسكرية والعسف، وإن تغطى برداء الدفاع عن الإسلام وأرضه، وعن الحرمين الشريفين، أمور لا تكفل الاستمرار ولا تحقق بناء الصروح الحضارية والثقافية التى تضاف لما أنجزته البشرية.

وربما يقول قائل إن الأتراك العثمانيين تركوا ما يذكر فى مجالين أحدهما ما أرساه سليمان القانونى، وثانيهما ما خطط له وشرعه محمود الثانى، وهو التنظيمات العثمانية، وهذا أمر غير منكور، ولكنه لا يرقى إلى أن يصبح عنوانًا لما يمكن أن يحمل لافتة «الحضارة والثقافة العثمانية»!.

إننا لا نتجنى على الأتراك، عثمانيين أو غير عثمانيين، بمناسبة سياسات ومواقف الإدارة التركية الحالية بقيادة أردوغان، وهى سياسات ومواقف حاولت وتحاول تقديم نفسها للعالم الإسلامى بصفتها الحامية الغيورة على الدين والفقه والتوجهات الإسلامية، فيما الحقيقة أن الأمر صراع رهيب على ما يعتقدون أنه ملء لفراغ المنطقة، وتنافس بين إيران وتركيا والدولة الصهيونية، يذكرنا بالتنافس بين الصفويين وبين الأتراك وبين الدول الاستعمارية، التى كانت متجهة لفرض نفوذها منذ القرن الثامن عشر!. ولذلك، فعندما بدا أن مصر تستعيد ألق وجودها وتشرع فى استعادة دورها وفق فهم مغاير لآليات التفاعل الإقليمى والدولى يحميها من مصير تجربتى محمد على وجمال عبدالناصر، جُن جنون أنقرة وبدت ملامح البارانويا «جنون العظمة التاريخى التركى» تظهر، كى لا يخلو الخطاب السياسى والإعلامى لأردوغان من إشارة إلى «الضربات العثمانلية»، وإلى أن الأستانة حكمت مصر وغيرها لقرون طويلة.

وعود على بدء، فقد شاءت التطورات التاريخية أن تستفيق أوروبا من إغماءة عصورها الوسطى المظلمة، وتشرع فى التأسيس للنهضة، انطلاقًا من شمال إيطاليا، فى الوقت نفسه الذى كنا فيه فى صحوة اقتصادية ومعمارية وحضارية، ثم جاءنا الكابوس التركى العثمانلى، ودخلنا فى إغماءة استطالت، أورثتنا تخلفًا مازلنا نحاول التخلص منه.

نشكركم زوار العرب اليوم على تصفح موقعنا وفى حالة كان لديك اى استفسار بخصوص هذا الخبر الكابوس العثمانلي! برجاء ابلاغنا او ترك تعليق الأسفل المصدر : المصرى اليوم

أخبار ذات صلة

0 تعليق