فلاديمير ناباكوف...رسائل إلى فيرا والتاريخ الثقافيّ الإشكاليّ!

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ

رسائل ناباكوف إلى فيرا تمثل سيرة حياة على قدر كبير من التعقيد حتى على مستوى علاقته العاطفيّة بزوجته التي شهدت الكثير من الأزمات الكبرى والتوتر

تمثل رسائل الأدباء الشخصيّة واحدة من أبرز مكونات سيرهم الذاتيّة الوثائقيّة، وواحدة من أبرز مكونات أرشيفهم الشخصيّ كذلك؛ فهي كتابتهم إلى آخرين وكتابة الآخرين إليهم. وغالبًا ما تكون هذه الكتابة أقرب ما تكون إلى "الكتابة السرية المخبوءة" لتناولها عناصر حميميّة جدًا في حياة الأديب. وغالبًا يأتي شخص ما بعد وفاة هذا الأديب ويتيح أرشيفه كاملاً بما في ذلك رسائله الحميميّة للآخرين بوصفها جزءًا من التاريخ الأدبيّ الثقافيّ بعد أن كانت جزءًا من تاريخ شخصيّ جدًا! والشواهد العالميّة على هذا الاختراق كثيرة جدًا، ولدينا في المشهد الثقافيّ العربيّ الكثير والكثير!

فلاديمير ناباكوف(1899_1977) هو كاتب أمريكيّ من أصل روسيّ أرستقراطيّ؛ فوالده كان أحد كبار رجالات القانون الروس في عصره، وجده كان وزيرًا سابقًا في الحقبة القيصرية. وقد انعكستْ هذه النشأة الأرستقراطية على تعليمه الأساسيّ؛ فقد تلقَّى تعليمًا ثلاثيّ اللغات بالروسيّة والإنجليزيّة والفرنسيّة. وبعد اندلاع ثورة أكتوبر 1917 التحق ناباكوف بكلية تيرنتي في جامعة كامبريدج التي درس فيها العلوم واللغات والأدب الوسيط. وفي سنة 1939 غادر ناباكوف إلى الولايات المتحدة الأمريكيّة حيث درّس في جامعات بوسطن وهارفارد وكورنيل. والمفارقة الكبرى أنَّ روايته الأشهر"لوليتا" التي انتقدت القمع السوفييتيّ مُنِعَت أول الأمر من التداول في أمريكا وذلك سنة 1955، وبعد ثلاث سنوات تحوّلت هذه الراوية إلى الرواية الأكثر تداولاً في أمريكا(كتاب الجيب)، كما بِيعتْ حقوق تحويلها إلى فيلم بمبلغ 150 ألف دولار. كتب ناباكوف سيرته الذاتية بعنوان"من الشاطىء الآخر"، كما أثارت طبيعة حياته وارتحالاته وكتاباته وإبداعاته عددًا كبيرًا من الكتاب الذين ألفوا عنه كتبًا إشكالية من أبرزها كتاب بريان بويد"ناباكوف والسنوات الروسيّة" عام 1990و"السنوات الأمريكيّة" عام1991 وهناك عمل متميّز عن سيرته لأندربوفيلد هو "ناباكوف: حياة كاملة أو تكاد".

بعد وفاة ناباكوف بعدة سنوات نُشرَت رسائل ناباكوف التي تضمَّ 287 رسالة كتبت من 1923 حتى 1976 في كتاب اسمه "رسائل إلى فيرا"، وفيرا هي زوجة ناباكوف التي تمثل رسائله إليها الجزء الأكبر من مكونات هذا الكتاب الاستثنائيّ المثير والمدهش في الآن ذاته! وهذا الكتاب وهذه الرسائل كما يذكر مترجمها إلى اللغة العربيّة الدكتور عبدالستّار الأسدي ليس مجرد كتاب" أنطولوجيا" يضم بين دفتيه رسائل زوج إلى زوجته، بل هو قصة الرحيل. يذكر أندرو فيلد صاحب كتاب "ناباكوف: سيرة حياة غير مكتملة" أنَّ فيرا زوجة ناباكوف كانت متحفظة جدًا في اطلاعه على بعض الرسائل المتبادلة بينها وبين زوجها نظرًا إلى خصوصيتها العاطفيّة العميقة، وأنَّها كانت تكتب بعض العبارات لأندرو على أظرف بعض الرسائل مثل "لاتُقرأ مطلقًا"و""تُقرأ بتحفظ"، كان ذلك في سنة 1979. وقد اشتغل المترجمان عن الروسيّة بريان بويد وأولغا فورونينا لمدة سنوات على جمع كلّ ما يستطيعان الحصول عليه من أرشيف ناباكوف حتى اكتملتْ الترجمة في عام 2014 وطُبِعَتْ عام 2015 في كتاب ضخم جدًا بلغت صفحاته 886 صفحة تقريباً. وقد ضمَّ هذا الكتاب رسائل ناباكوف إلى فيرا وصورهما الشخصيّة العائليّة وبطاقات المعايدة وسواها من المتعلقات الشخصية جدًا.

ليس كتاب "رسائل إلى فيرا" كتابًا عاطفيًا يحتفي بعلاقة الحب الاستثنائيّة الطويلة التي جمعت بين ناباكوف وزوجته فيرا كما قد يوحي بذلك عنوان هذا الكتاب للوهلة الأولى. إنَّ رسائل ناباكوف إلى فيرا تمثل سيرة حياة على قدر كبير من التعقيد حتى على مستوى علاقته العاطفيّة بزوجته التي شهدت الكثير من الأزمات الكبرى والتوتر، إلى جانب تواصل بعض المنظمات السرية به. وتلقي هذه الرسائل الأضواء على حياة ناباكوف الأخرى التي قد تظهر في متخيلات رواياته الكثيرة. وتمثل هذه الرسائل بالفعل جزءاً مهمًا من التاريخ الثقافيّ الوثائقيّ للاتحاد السوفيتيّ السابق وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكيّة إلى جانب بعض الدول الأوروبيّة الأخرى التي زارها ناباكوف. نحتاج في جامعاتنا العربيّة إلى تدريس "التاريخ الثقافيّ" الذي يشكل الأرشيف الثقافيّ بما في ذلك مراسلات عشرات من الأدباء العرب من مختلف الأقطار العربيّة مكوِّنًا أساسيًا كاشفًا فيه. إنَّ مثل هذا التاريخ بإمكانه أن يفسِّر لنا التشكّلات السياسيّة والثقافيّة الكبرى عربيًا وإقليميًا وعالميًا. إنَّ تدريس هذا التاريخ في جامعاتنا العربية الآن بالذات من وجهة نظري يُعدُّ ضرورة وليس ترفًا.

نشكركم زوار العرب اليوم على تصفح موقعنا وفى حالة كان لديك اى استفسار بخصوص هذا الخبر فلاديمير ناباكوف...رسائل إلى فيرا والتاريخ الثقافيّ الإشكاليّ! برجاء ابلاغنا او ترك تعليق الأسفل المصدر : أخبار 24

أخبار ذات صلة

0 تعليق

مركز الخليج