أخبار عاجلة
استقرار أسعار العملات العربية اليوم -
"ضربة موجعة" لتشلسي في الدوري الإنجليزي -
تدشين صالون ثقافي دوري بأوبرا الإسكندرية -
صرف 48 مليون ريال لمنسوبي «صحة الطائف» اليوم -

ثقافة الاعتراف بالفشل

ثقافة الاعتراف بالفشل
ثقافة الاعتراف بالفشل

وإليكم تفاصيل الخبر ثقافة الاعتراف بالفشل

أعتقد أن ثقافة الاعتراف بالفشل لا وجود لها فى الحياة العربية بشكل عام، على الرغم من أهميتها كمكون رئيسى فى سلوك أى مجتمع ينشد التطور أو التقدم، بما يجعل أى مسؤول فى أى موقع هو الذى يبادر بالحكم على نفسه، وما إذا كان قد حقق المستهدف من وجوده على رأس هذا العمل أو ذاك، حينذاك يمكن أن يرفض منذ البداية تولى هذا المنصب أو هذا الموقع، وحينذاك يمكن أن يبادر بتقديم اعتذار أو استقالة من موقعه، وقد يجد نفسه فى موقع آخر يستحقه، أو يكتشف فى نفسه القدرات التى تساعده على الاستمرار فيه، على خلاف الموقع السابق.

فى المجتمعات المتحضرة، لن يتم منذ البداية إلا وضع الرجل المناسب فى المكان المناسب، مع ذلك سوف يظل رهناً للأداء طوال الوقت، سوف يستقيل المسؤول عن قطاع النقل بمجرد حادث قطار بسيط، أو يستقيل المسؤول عن الكهرباء بمجرد انقطاع طارئ، أو يستقيل المسؤول عن الصحة لمجرد تقصير ما تجاه أحد المرضى بأحد المستشفيات، وسوف يبادر المسؤول عن الأمن بالاستقالة فى حال ما إذا شعر بأن أصابع الاتهام، سواء من الشارع أو البرلمان، تشير إليه بالفشل أو حتى التقصير، وعلى هذا يمكن القياس إلى أن يمتد الوضع إلى رئيس الحكومة أو الحكومة بأكملها.

هل هى ثقافة نشأوا عليها، أم هى مخرجات التعليم، أم هى التربية عموما والإحساس بالمسؤولية، أم هى كل ذلك؟!!، بالتأكيد هناك شىء ما ينقص الشخصية العربية فى هذا الصدد، ذلك أن التشبث بالموقع لسنوات طويلة، رغم الإخفاق المتواصل، أو الأزمة تلو الأخرى، هو سمة عربية خالصة، قد يظل المسؤول عن الاقتصاد فى موقعه سنوات طويلة رغم الإخفاق الواضح فى تحسين مستوى النمو، وقد يظل المسؤول عن الأمن فى موقعه إلى ما لا نهاية رغم الفشل الواضح والأزمات الأمنية غير المسبوقة، وقد تستمر منظومة النظام الحاكم كما هى، لا تتغير ولا تتبدل، رغم التخبط فى كل المجالات، داخلياً وخارجياً.

فى عالمنا العربى لم نسمع إلا ما ندر عن اعتذارات عن مواقع أو مناصب، الذريعة كانت دائماً وأبداً شخصية، لا علاقة لها بما نطرحه، قد لا يريد المعتذر العمل مع هذه المنظومة أو تلك، قد يرى أن الدخل المادى من خلال المنصب الجديد أقل مما يحققه من عمله الحُر أو عمله الأصلى، إلا أن أحداً لم يسجل عنه يوماً ما أنه قال لا أستطيع، أو لا أعرف، أو لا أقدر، أو لا أدرى، لدينا الجميع يستطيعون، والجميع يعرفون، والجميع يقدرون، والجميع يدرون، بل الجميع يفتون فى كل شىء وأى شىء، فى السياسة، كما فى الاقتصاد، كما فى الكيمياء، كما فى الدين والدنيا معاً، هكذا خلقهم الله أطباء وفلاسفة فى آن واحد!!.

ربما هناك أسباب كثيرة لهذه الحالة العربية، والمصرية منها بشكل خاص، أولها وأهمها ذلك التوارث فى المهن المختلفة، وهى الآفة التى جعلت من ابن المستشار بالضرورة مستشاراً، وابن الطبيب بالضرورة طبيباً، وابن الصحفى بالضرورة صحفياً، وابن الضابط بالضرورة ضابطاً، إلى ما لا نهاية من الوظائف القيادية بشكل خاص، حتى لو كان ذلك الابن لا يصلح، ما بالنا إذا كان الأب أيضاً لا يصلح!!، وهو ما ألقى بظلاله على الأداء الضعيف لدينا فى كل هذه الوظائف، ومن ثم الناتج العام فى التنمية، كما فى الأمن، كما فى الإعلام، كما فى كل المجالات تقريباً، مع الوضع فى الاعتبار أن لكل قاعدة استثناءاتها.

الأمر الآخر، والذى لا يقل أهمية عن الأول، هو أننا اعتدنا فى الحالة المصرية تحديداً إخلاء الصف الثانى من الكفاءات، باعتبار أنها سوف تصبح مهددة لاستمرار الصف الأول ضعيف الحيلة، لذا كانت النتيجة الطبيعية هى اعتلاء عديمى القدرات للمواقع القيادية دائماً وأبداً، فكان ما كان أيضاً من ذلك الأداء الهزيل، ورغم ذلك يرى هؤلاء وأولئك أنه ليس فى الإمكان أبدع مما كان، وقد تسبب كل ذلك فى هجرة أصحاب القدرات الحقيقية إلى خارج البلاد من جهة، وابتعاد وإبعاد ما تبقى منهم عن المشاركة والعمل، إما بدواعى التقارير الأمنية، وحالة التصنيف والاستقطاب العام، وإما بممارسات شخصية من القيادات الفوقية دون مساءلة قانونية أو إدارية.

الكارثة الأكبر فى هذا الصدد هى تلك المؤامرات التى يمكن أن تُحاك بأى قيادة متميزة فى موقعها، لمجرد أنها لا تنتمى إلى الشللية والأيديولوجيات فى هذا المكان، أو لحساب أصحاب المصالح هناك، وغير ذلك من هذا القبيل، الذى يقوده الرعاع عادةً من الذين لا يستطيعون ولا يريدون العمل، بالتالى لا تعنيهم مصلحة المنشأة أو المؤسسة من قريب أو بعيد، وبذلك يسطو على المناصب فى كل الأحوال سفهاء القوم، الذين لا تعنيهم المعرفة ولا يدركون معنى القيادة، ولا قيمة الوطن، فكان ما كان من الإصرار على الاستمرار لتحقيق أكبر قدر من المكاسب الشخصية، دون أى صحوة من ضمير تجعلهم يقرون بالفشل، وكانت النتيجة ما نحن فيه الآن، ورغم ذلك لا أحد يريد أن يعترف بالفشل، وكأنه نتاج أعمال السحر أو الجان.. ارحمونا يرحمكم الله.

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

تم نقل هذا الخبر , والمصدر هو المسؤل عن صحة هذا الخبر , اذا كان لديك اى استفسار او طعن فى هذا الخبر برجاء مراسلتنا مصدر الخبر الاصلي: المصرى اليوم

معلومات الكاتب