أخبار عاجلة
أخبار فلسطين -
مدرب الهلال يدرس إراحة 3 لاعبين أمام الاستقلال -

منصور الجنادي يكتب: ربنا يكفيك شر الفكر

منصور الجنادي يكتب: ربنا يكفيك شر الفكر
منصور الجنادي يكتب: ربنا يكفيك شر الفكر

وإليكم تفاصيل الخبر منصور الجنادي يكتب: ربنا يكفيك شر الفكر

اشترك لتصلك أهم الأخبار

عشرين فى المائة من خمسين فى المائة يبقوا كام؟ سؤال وجهته لخريج تجارة، ولم يستطع الإجابة عنه.

نحن شعب يحب الفرفشة ويتفادى وجع الدماغ. التفكير ليس من المقررات الدراسية ولا هو من العادات والتقاليد.

نحن مجتمع زراعى، أى فلاحين، ورثنا عن الأب والجد طريقة لبذر التقاوى ولف الطنبور ثم لف السيجارة حتى يأتى المحصول. نَصِف الإنسان بالمفكر رغم أنه لا يقرأ سوى الجرائد المحلية، ونستثمر الكثير فى إبعاد الشعب عن التفكير، بل لدينا متخصصون فى هذا الإبعاد، نسبة توزيعهم فى أنحاء البلاد تفوق توزيع أشهر ماركات المياه الغازية.

لذلك فنحن ناس «طيبين»، نعمل ونعرق وتكون النتيجة عكس ما نريد. كالأب اللى «هارى نفسه» على أولاده فى كل صغيرة وكبيرة، لدرجة حرمانهم من تكوين الشخصية والتفكير المستقل. أو المعلم الذى يدفع تلاميذه دون أن يدرى إلى كراهية المادة التى يدرِّسها، أو من يظن أنه يستخدم الكلاكس لحماية الأرواح بينما هو يساهم بفاعلية فى ضرب المصريين للرقم القياسى لنسبة ارتفاع ضغط الدم.

قِس على هذا كل ما يحدث فى أم الدنيا من سياسة واقتصاد وعلاقات اجتماعية وخلافه. غياب التفكير لم يسلم منه لا عمدة ولا غفير. أما «النخبة» فلها أمراضها بحكم البيئة العامة السائدة، ورغم ذلك فمصر زخرت وتزخر بقدر مدهش من العقول النابغة، خاصة تلك التى أٌتيحت لها فرصة السفر أو الهجرة أو الإطلالة من نافذة مصر الضيقة على العالم الخارجى سواء بتعليم جيد أو القراءة وشغف المعرفة أو الثورة على ثقافة الموت ورفض الجمود.

ولكن هؤلاء لا تتعدى نسبتهم ربما واحد فى الألف، يغرق الكثير منهم فى بحر الغالبية الكاسحة، وتجرفه رياح الثقافة المُستوردة المُخجلة التى فصلتنا عن العالم وفضلت العودة إلى الخلف. كانت الجدة ترفع يديها إلى العلى القدير وتقول لحفيدها «ربنا يا ابنى يكفيك شر الفكر».

لكن ربما لو كانت الجدة قد عاشت لترى روعة صناعة الروبوت فى اليابان وحسرة الانشقاق فى السودان، لدعت لابنها بأن يمن الله عليه بنعمة الفكر وليس بأن يكفيه شره، حتى وإن لم تفهم الجدة على وجه التحديد طبيعة ذلك «الفكر» اللعين الذى جعلنا مستهلكين فقط لما يمن علينا به الآخرون من اختراعات وتجديد.

عندئذ يُمكننا أن نتصور حفيدها يهمس فى أذنها: لا تخافى يا جدتى، الموضوع سهل خالص. الفكر ده مش هو الهَم والكرب كما تعتقدين. يُمكننا أن نفكر أيضًا فى أمور سارة ومفيدة، وبالتالى يكون الفكر مصدر تقدم وسعاده، «مش بس نكد». نحن نتفادى الفكر، لأننا لا نعرفه لوعرفناه فلن نخافه، بل سنعتاد عليه ونحبه. «بس خللى بالك يا جدتى» يستطرد الحفيد «اوعى تتعودى عليه زى الناس إياهم دول وتنسى البيت والغيط. الفكر ممكن يبقى خيال وشطط، وممكن يبقى نافع ومفيد».

ويترك الحفيد جدته ويقول لنفسه: آه لو كانت جدتى عندها شوية صبر كمان، كنت قولت لها أشياء كثيره جداً عن الفكر:

مثلاً إن الفكر لا يأتى من الهواء. الوحى يأتى فقط للأنبياء. أم نحن البشر فلا فكر بدون «عَلاَم» (أى التعليم).

أيضاُ من المهم جدًا أن نعلم أن الفكر له مكان يحدث فيه. هذا المكان ليس القلب أو أى شىء آخر، وإنما المخ ولا شىء غير المخ.

وأخيرًا، وده أهم شىء، أن المخ هو الذى يرى وليس العين، فالعين ليست أى شىء آخر سوى «بوسطجى» يستلم الموجات الضوئية التى تحدث حولنا ويُسَلِّمها للمخ. هناك فى المركز البصرى للمخ يُختزن «العَلَام»، أى كل ما تعلمناه فى حياتنا، وبالتالى يتم تفسير (خللى بالك كويس قوى من كلمة تفسير دى) ما دخل إلى المخ. فإذا كان الشخص قد تعلم ما هو القَلَم مثلاً واستخدمه وعرفه جيدًا فقد يفسر المخ الموجات الضوئية التى سلَّمها البوسطجى إليه على أنها قَلَم. أما شخص آخر لم ير أو يسمع أى شىء فى حياته عن القلم فقد يرى مُخَه فى هذه اللحظة «عصا» على سبيل المثال، لأنه عرف العصا فى حياته ولم يعرف القلم.

إذن كل ما نراه ونشمه ونسمعه ونحسه ونتذوقه لابد أنه يُفسر فى أذهاننا فى حدود ما تعلمناه ومر بنا من خبرات، أردنا أم أبينا، فهكذا أراد الله سبحانه للمخ الذى خلقه فينا أن يعمل، وبشكل تلقائى دون وعى منا فى معظم الأحيان.

وبما أن خبراتنا تختلف من شخص إلى آخر، فلابد أن تختلف تفسيراتنا لنفس الشىء ولكل شىء مهما كانت بساطته. حتى كوب الماء الذى أمامنا. قد يكون تركيزك أنت على الماء لشعورك بالعطش مثلًا، بينما يكون تركيزى أنا على الشكل الجمالى للكوب لأننى فنان.

جدتى: علشان كده الإنسان نسبى والله وحده هو المطلق، ومن يملك الحقيقة.

أما من يفكرون أنهم يعرفون الحقيقه، فادع لهم من فضلك بأن يكفيهم الله شر الفكر.

* دكتوراه علم النفس (جامعة فيينا). أستاذ سابق بجامعة وبستر، واستشارى تطبيقات العلوم الذهنية فى التسويق والإدارة.

نشكركم زوار العرب اليوم على تصفح موقعنا وفى حالة كان لديك اى استفسار بخصوص هذا الخبر منصور الجنادي يكتب: ربنا يكفيك شر الفكر برجاء ابلاغنا او ترك تعليق الأسفل المصدر : المصرى اليوم

السابق أقباط بورسعيد يذهبون للجان الاستفتاء بـ"سعف النخل"
التالى هدى عبد الناصر عن التعديلات الدستورية: مهمة للحفاظ على الاستقرار .. فيديو