ببساطة ودون تعقيد .. ما الذي يحدث بالضبط في الأرجنتين؟

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ

ladrones devuelvan los dólares” (أعيدوا الدولارات أيها اللصوص) و“Fondo de Miseria Interna” (صندوق التعاسة الداخلي) في إشارة إلى صندوق النقد الدولي. على لافتاتهم كتب الأرجنتيون العبارات الإسبانية السابقة التي حملوها أثناء تظاهراتهم ضد حكومتهم وضد سياسات صندوق النقد الدولي في الأول من ديسمبر 2001.

 

 

ورغم مرور ما يقرب من 18 عاماً على تلك الاحتجاجات إلا أن تلك الشعارات لم تختفي أبداً من على الساحة ولا تزال حاضرة بقوة في الأوساط الشعبية الأرجنتينية. فالعلاقة بين الأرجنتين وصندوق النقد الدولي ساهمت ولا تزال في تشكيل الجزء الأكبر من التاريخ الاقتصادي الأرجنتيني المعاصر.

 

الأرجنتين فوق صفيح ساخن

 

في الثاني عشر من أغسطس الجاري اهتزت الأرض من تحت أقدام الأرجنتين. خسرت البورصة 38% من قيمتها السوقية في يوم واحد، وتراجعت قيمة البيزو بنحو 30% قبل أن يتعافى جزئياً لتصل خسائره لـ20% على خلفية قيام المركزي الأرجنتيني برفع سعر الفائدة إلى 75%. كل هذا أدى إلى تدهور أسعار السندات الأرجنتينية وخصوصاً تلك المقومة منها بالدولار.

 

كان السبب الرئيسي وراء ذلك التوسونامي هو خسارة الرئيس الأرجنتيني الحالي "ماوريسيو ماكري" للانتخابات الرئاسية التمهيدية بفارق كبير لصالح اليساري "ألبرتو فرنانديز". وتكمن أهمية هذه الانتخابات في أنها تعتبر إلى حد كبير بروفة تحضيرية للانتخابات الرئاسية العامة المزمع إجراءها في أكتوبر القادم.

 

 

حصل "فرنانديز" على 48% من الأصوات في حين حصل الرئيس الحالي على 32% فقط، وهي فجوة لا يمكن لـ"ماكري" التغلب عليها خلال هذه الفترة القصيرة. ولذلك من شبه المؤكد أن "ماكري" سيخسر انتخابات أكتوبر، وهو الاحتمال الذي أثار قلق المصرفيين والمستثمرين والمؤسسات المالية الدولية حول العالم.

 

هؤلاء جميعاً لا يخشون خسارة "ماكري" بقدر ما يخافون من فوز "فرنانديز" بالرئاسة. ولكن لماذا كل هذا الخوف من "فرنانديز"؟ ببساطة "فرنانديز" كان يشغل منصب رئيس الوزراء في حكومتي عائلة "كيرشنر" التي حكمت الأرجنتين في الفترة ما بين عامي 2003 و2015، وهما نفس الحكومتان اللتان رفضتا الدفع لصناديق التحوط الأمريكية أسعار الفائدة الباهظة التي طلبوها من الأرجنتين بعد أزمة 2001.

 

خسارة "ماكري" .. هل كانت مفاجأة؟

 

اللافت للنظر حقيقة هو حالة الاستغراب والاندهاش التي سيطرت على كثير من وسائل الإعلام العالمية وخصوصاً الأمريكية من خسارة "ماكري" المهينة للانتخابات التمهيدية. بالنسبة لهم كانت النتائج غير منطقية، ولذلك تساءل بعضهم: كيف يخسر "ماكري" بتلك الطريقة بعد أن تمكن أخيراً من وضع الاقتصاد الأرجنتيني على مساره الصحيح؟ ولكن هل هذا صحيح؟

 

أي طفل بالسادسة من عمره إذا نظر إلى الواقع والأرقام لن يجد صعوبة في أن يستنتج أن خسارة "ماكري" هي ربما الشيء الأكثر منطقية في العالم. لا توجد مفاجآت.

 

هذه هي حالة الاقتصاد الأرجنتيني الآن: معدل التضخم يبلغ 56%، مما يجعله واحداً من أعلى معدلات التضخم في العالم. وعلى الرغم من أنه لا يمكننا إنكار حقيقة أن التضخم أظهر هذا العام تحسنا معقولاً مقارنة مع العام الماضي الذي بلغ خلاله نحو 70% إلا أن التأثير واحد في النهاية. فسواء كان معدل التضخم 56% أو 70% فكلاهما يدمر الدخول الحقيقية للعمال والشركات الصغيرة.

 

 

العملة المحلية أو البيزو تواصل مسلسل السقوط للعام الثاني على التوالي. فمقارنة مع سعر صرف يبلغ 16 بيزو لكل دولار أمريكي في عام 2017 تدهورت قيمة العملة الأرجنتينية لتصل إلى حوالي 55 بيزو لكل دولار لحظة كتابة هذا التقرير، ومن المتوقع أن يستمر هذا التدهور. وما سيزيد الطين بلة بالنسبة للأرجنتينين هو أن تدهور البيزو سيؤدي إلى تسارع نمو التضخم.

 

أضف إلى ذلك حقيقة أن الاقتصاد الحقيقي الأرجنتيني واقع بالفعل في فخ الركود. ففي خلال الأرباع الأربعة الأخيرة انكمش الاقتصاد بأكثر من 5% في المتوسط، بينما انخفض الإنتاج الصناعي بنسبة 10% تقريباً على مدار الـ12 شهرا الماضية، كما أن البطالة تستمر في التدهور.

 

بعبارة أخرى، انخفضت مستويات المعيشة بشكل حاد بسبب التضخم المتسارع وفقدان الكثيرون لوظائفهم منذ تولي "ماكري" لمنصب الرئاسة في عام 2015 وقيامه بتنفيذ إجراءات التقشف التي طالب بها صندوق النقد الدولي. تلك الإجراءات شملت على سبيل المثال، خفض المعاشات وتقليص عدد الموظفين الحكوميين ورفع تكاليف الخدمات ورفع الدعم.

 

يعيش ثلث الأرجنتينين الآن تحت خط الفقر وفقاً للإحصاءات الرسمية. فلماذا يستغرب البعض تعبير الشعب الأرجنتيني عن سخطه تجاه تلك الأوضاع في الانتخابات التمهيدية التي عقدت في وقت سابق من هذا الشهر؟

 

أين ذهبت الـ100 مليار دولار؟

 

على نحو مقصود تتجاهل وسائل الإعلام الأمريكية إلقاء الضوء على ما يعانيه الأرجنتينيون من السياسات النيوليبرالية التي يفرضها عليهم صندوق النقد الدولي.

 

لكن انتظر لحظة. ألم تتلق الأرجنتين مؤخراً قرضاً قياسيًا بقيمة 56 مليار دولار من صندوق النقد الدولي؟ أليس بوسع هذا القرض تعزيز الاقتصاد ودفع عجلته للأمام؟ والإجابة على هذا السؤال بوضوح هي لا، لم يعزز ذلك القرض الاقتصاد الأرجنتيني ولن يفعل لأن هذا ليس هو الهدف من وراءه.

 

المشكلة هي أن الأغلبية لا تفهم طريقة عمل الصندوق ولهذا يحدث الالتباس. الـ56 مليار دولار التي وعد بها صندوق النقد الدولي الأرجنتين لن تدخل إلى الاقتصاد الحقيقي. إذن أين ستذهب؟ ببساطة هذه الأموال ستمنح للأرجنتين لغرض محدد وهو استخدامها في سداد ديونها للبنوك والمستثمرين العالميين وكذلك صناديق التحوط.

 

 

صندوق النقد الدولي لا يقدم أبداً أموالاً لأي بلد كي يستخدمه في تحفيز اقتصاده الحقيقي. بل على العكس، عادة لا تحصل أي دولة على قروض من الصندوق إلا بعد أن تتعهد بالالتزام بشروطه وبرامجه والتي تشتمل دائماً على تدابير تقشفية تقلل من الإنفاق الحكومي أو ترفع الضرائب. لكن ماذا لو أدت تلك التدابير إلى تباطؤ الاقتصاد؟ هذه ليست مشكلة الصندوق.

 

على عكس ما قد يعتقده البعض، لا يمنح الصندوق الأرجنتين أو غيرها الأموال في أيديها بل يقوم هو بسداد ديونها إلى المستثمرين العالميين ثم يعود إلى ذلك البلد ويحصل منه قيمة ما دفعه بالإضافة إلى الفائدة. وفي المقابل تلجأ البلدان المقترضة كالأرجنتين إلى فرض إجراءات التقشف على المواطنين وترفع الضرائب لكي تسدد الصندوق.

 

منذ توليه "ماكري" لمنصبه في 2015 وحتى اليوم حصلت الأرجنتين على ما يقرب من 100 مليار دولار من رأس المال الأجنبي من صندوق النقد الدولي وبنوك وشركات وول ستريت، ولكنه رغم كل هذه الأموال لم يتمكن من تعزيز اقتصاد البلاد ودفعه للأمام. لماذا؟

 

ببساطة لم تجد هذه الأموال طريقها أبداً إلى الاقتصاد الحقيقي، فأموال الصندوق ذهبت للمقرضين الدوليين في حين ذهبت أموال بنوك وول ستريت إلى سوق المال الأرجنتيني، ولم يتم ضخ أي من تلك الأموال في استثمارات حقيقية تخلق وظائف وتعزز من دخل الأسر وبالتبعية الناتج المحلي الإجمالي للبلاد.

 

 

مؤشرات الاقتصاد الكلي الأرجنتيني تتحول من سييء إلى أسوأ، والبلاد الآن تواجه احتمال التخلف عن سداد الـ56 مليار التي اقترضتها من صندوق النقد الدولي. وكأن مشكلة الديون الحكومية لا تكفي، أصبحت الكثير من الشركات الأرجنتينية على مقربة من التخلف عن سداد ديونها الدولارية.

 

شبح أزمة 2001 يخيم على الأجواء! سنتابع ونرى

أخبار ذات صلة

0 تعليق

مركز الخليج