هل تحولت "سنغافورة" من نمر صاعد إلى آخر عليل؟

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ

ووفقا لبيانات البنك الدولي حققت سنغافورة معدل نمو من بين أعلى 10 دول في العالم خلال العقود الثلاث الماضية بين 1965-1995 بمتوسط بلغ 7.7% حتى إن معدل النمو وصل قمته عند 9.2% بما يؤشر لفترة "رائعة" مر بها الاقتصاد السنغافوري.

 

 

تجارة أكبر من الاقتصاد

 

وبعد ذلك واصل معدل النمو تراجعه النسبي حتى بلغ 3.2% العام الماضي (2018) وسط توقعات الحكومة نفسها بمعدل بين 1.5-3% في عام 2019 إلا أن البنك الدولي يرجح تدني النمو عن تلك التوقعات في ظل تراجعه شكل حاد إلى 0.1% في الربع الثالث من العام الحالي، وإعلان تفادي الركود بصعوبة.

 

ولعل أحد أهم أسباب التراجع في الفترة الأخيرة، الحروب التجارية، فسنغافورة هي احدى أكثر الدول في العالم تأثرًا من تراجع التجارة الدولية، فهي أحد البلاد النادرة التي تربو قيمة صادراتها ووارداتها أيضًا على قيمة الناتج الإجمالي لها (وذلك بسبب استخدامها كـمحطة للنقل ولتجميع العديد من السلع).

 

وتبلغ قيمة الصادرات 176% من الناتج المحلي والواردات 150%، ومع الحروب التجارية من المتوقع تراجع الصادرات بنسبة 12-15% وفقًا لتقديرات الحكومة السنغافورية بنهاية العام الحالي، بينما ستتراجع الواردات بنسبة 7-9% بما يؤشر لتراجع ضخ الدم في شريان الاقتصاد الرئيسي.

 

هيكل الصادرات

 

كما مثّلت طبيعة هيكل صادرات وواردات سنغافورة أزمة كبيرة لها، حيث تشكل المعدات الكهربائية والآلات، بما في ذلك أجهزة الكمبيوتر، حوالي 45% من صادرات سنغافورة المباشرة، وفي ظل تراجع هذا القطاع عالميًا بل ومحليًا تراجع القطاع الصناعي بنسبة متوسطة 2% خلال الأرباع الثلاثة الأولى من العام الحالي.

 

 بينما كان معدل نمو القطاع 3% خلال العام الماضي بما يوحي بإنقلاب حقيقي في المؤشرات يؤثر بطبيعة الحال على معدلات النمو الكلية، أما قطاع الخدمات فلم ينمو بدوره إلا بنسبة 0.9% سنويًا فحسب، وفقًأ لـ"ستاتيستيكا".

 

 

وعلى الرغم من نمو قطاع الاتصالات بنسبة 6% عالميًا العام الماضي إلا أن نسبة نموه محليًا لم تتعد 1%، وفقًا لتقديرات "فوربس"، كما تراجعت معدلات النمو لقطاعات محلية هامة وفي مقدمتها العقار الذي تراجع من متوسط معدل نمو سنوي 4% خلال العقود الماضية إلى 0.5% خلال آخر عامين.

 

وجاء سوء توزيع الدخل أيضًا في مقدمة أسباب تراجع سنغافورة، فعلى الرغم من بلوغ متوسط الدخل قرابة 57 ألف دولار للفرد، إلا أن سوء توزيع الدخل (أغنى 1% من السكان أشد ثراء من افقر 50% منهم وفقا لـ"سي.إن.بي.سي") مما يؤدي لوجود قطاع اقتصادي ينمو بسرعة شديدة، بينما يعجز القطاع الآخر عن مواكبته.

 

أسباب خارجية

 

كما أتى تراجع النمو للدول المحيطة بسنغافورة من بين الأسباب الرئيسية لتراجع الأخيرة، فدول أسيان والصين تراجع نموها بنسبة 1-3% خلال السنوات الأخيرة عن المستويات العالية التي اعقبت انتهاء الأزمة المالية العالمية في 2010 بما انعكس سلبًا على سنغافورة، وفقا لتقديرات البنك الدولي.

 

وعلى الرغم من أن سنغافورة تعد أحد أعلى الدول استقبالاً للاستثمارات الأجنبية المباشرة في العالم، إلا أن هذا الأمر الإيجابي بداهة قد يتحول لأمر سلبي في القريب العاجل، فمع الركود المتوقع عادة ما تقل التحركات الدولية لرؤوس الأموال عبر الحدود وإن تحركت فتكون أموالًا ساخنة تضر أكثر مما تنفع.

 

 

وعلى ذلك فإن تلقي سنغافورة لـ24 مليار دولار تقريبا كاستثمارات أجنبية مباشرة في الربع الثالث من العام الحالي، مقارنة بـ19 مليار دولار في نفس الفترة من عام 2018  قد لا يكون مؤشرًا إيجابيًا، ففي ظل نمو سالب في الربع الثاني للعام الحالي، وتلافي النمو السالب بالكاد في الربع الثالث فإن هذه الأموال قد تبدو ساعية للمكاسب السريعة أكثر منها للاستثمار الجدي.

 

والشاهد هنا أن الأزمة الرئيسية التي تواجه سنغافورة تتمثل في خروج غالبية المؤشرات السابقة عن سيطرتها بشكل كامل، فهي لا تستطيع التحكم في نسق التجارة العالمية بطبيعة الحال، ولا في الاتجاهات الرئيسية لرأس المال الأجنبي على سبيل المثال بما يجعل النمر الأسيوي مهدد بالمزيد من التراجع ما لم تتغير الظروف الدولية أو تغير سنغافورة استراتيجيتها الاقتصادية تمامًا.

 

المصادر: البنك الدولي، فوربس، "سي.إن.بي.سي"، بيانات الحكومة السنغافورية، موقع ستاتيستيكا

أخبار ذات صلة

0 تعليق

مركز الخليج