أخبار عاجلة

محللون دوليون لـ "الاقتصادية": آثار ثقيلة وشاملة تدفع اقتصاد إيران إلى شفير الهاوية

"الاقتصادية" من الرياض

لم يكن إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب خروج بلاده من الاتفاق النووي مع إيران، مجرد وفاء بوعد أخذه على نفسه خلال الحملة الانتخابية.
كان القرار خطوة ضرورية لتستعيد السياسة الخارجية الأمريكية هيبتها وقوتها ومكانتها ليس فقط في منطقة الشرق الأوسط، بعد أن تعرضت مكانة واشنطن للاهتزاز خلال سنوات إدارة أوباما.
قرار ترمب كان رسالة بانتهاء عهد الاسترضاء والخضوع للابتزاز الإيراني، الذي قبلت به إدارة أوباما وسعت إلى إضفاء الشرعية عليه عبر توقيع الاتفاق النووي المعيب مع الإيرانيين.
من وجهة نظر الإدارة الأمريكية كان الاتفاق واحدا من أسوأ الاتفاقات الموقعة في العصر الحديث، إنه "اتفاق تنازل بسهولة عن عقوبات شديدة القسوة"، حتى كادت إيران أن تركع وتجبرها على الانصياع للقرارات الدولية، مقابل تجميد برنامجها النووي لفترة محدودة مع الإبقاء على القدرة النووية لها على أهبة الاستعداد دائما.
وأظهرت الأسواق الدولية موقفا مرحبا بالقرار الأمريكي، وذلك عبر الإيجابية التي ظهرت في تحسن أسعار النفط، وارتفاع أسهم شركات الطاقة، وكذلك زيادة عائد سندات الخزانة لمدة عشر سنوات بنسبة 3 في المائة، وأغلقت الأسواق في هونج كونج وأستراليا على ارتفاع طفيف مدعومة بمكاسب في شركات النفط والغاز.
ومع هذا يبقى السؤال: هل ألغى الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الاتفاق النووي مع إيران أم دق المسمار الأخير في نعش نظام الملالي الذي يحكم إيران منذ أربعة عقود ونيف؟ هل بات انهيار النظام الاقتصادي الإيراني وشيكا، أم أن النظام لا تزال لديه مجموعة من أوراق اللعب التي سيلقي بها حينما يحين الوقت؟ هل يمكن للنظام أن يصمد أمام سلسلة جديدة من العقوبات الدولية، أم أنه أفلس ولم يعد قادرا على مواصلة خداع شعبه بأن المقبل من الأيام يحمل كثيرا من الخير للإيرانيين؟
عشرات من الأسئلة الاقتصادية تدور جميعها حول محور واحد، ما التداعيات التي سيعانيها الاقتصاد الإيراني في أعقاب إلغاء واشنطن الاتفاق النووي مع طهران؟
قد يقول قائل "إن خصوم النظام وأعداءه سيتجنون علي إيران لخصومتهم لنظام الملالي الحاكم وعدائهم له، لكن ماذا يقول أنصار النظام نفسه"؟
ربما تكشف كلمات قاسم شعله سعدي العضو السابق في مجلس شورى نظام الملالي وأحد أنصاره حجم المأساة الاقتصادية التي تمر بها طهران، ففي مقابلة مع إذاعة فرنسا الدولية أقر الرجل بأنه لا يستبعد أن تؤدي الصدمة الاقتصادية الناجمة عن انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي إلى انهيار إيران.
وأضاف "الأثر السريع للانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي هو وقوع صدمة اقتصادية ومالية كبيرة في إيران، وهذا ما نشاهده في الاضطرابات الأخيرة والجارية في سوق العملة الأجنبية في البلد.. بحيث نرى أن الدولار تجاوز مستوى قياسيا، طبعا إذا استطعتم أن تجدوا دولارا في أسواق إيران.. أعتقد أن الآثار الاقتصادية الناجمة عن انسحاب الولايات المتحدة عن الاتفاق النووي ستكون ثقيلة جدا وشاملة.. لأن كل شيء يتم تقييمه حسب الدولار في إيران".
وبطبيعة الحال سعى أنصار النظام إلى تخفيف وطأة تلك التصريحات، ملقين باللائمة في تدهور الأوضاع على "القرارات غير المتخصصة" لبعض العاملين في النظام، متجنبين تماما الإشارة إلى تعليقات المختصين الدوليين، بأن النظام الإيراني أفلس في كافة المناحي نتيجة النهج والرؤية التي تحكم قراراته، التي أسفرت وفقا لتصريحات محمد رضا بور إبراهيمي رئيس لجنة الاقتصاد في مجلس شورى النظام عن خروج أكثر من 30 مليار دولار من إيران في الأشهر النهائية من العام الإيراني الماضي، وأن 20 مليار دولار يتم الاحتفاظ بها خارج الشبكة المصرفية نتيجة عدم ثقة المواطنين بالنظام الاقتصادي.
وسط هذا الوضع يظل السؤال الذي يهيمن على الساحة الإيرانية في أعقاب قرار ترمب سؤالا واحدا أساسيا: إلى أين يسير الاقتصاد الإيراني؟
البروفيسور إسماعيل حسين زاده المختص في الاقتصاد الايراني يختصر الرد في كلمات معدودة "الانهيار الاقتصادي أقرب إلى أن يتحول إلى واقع ملموس، مقارنة بأي وقت مضى، بما في ذلك السنوات الأولى للإطاحة بالشاة، التي شهدت أوضاعا معيشية واضطرابات سياسية واجتماعية واسعة النطاق، قد لا نستطيع تحديد يوم أو شهر معين للانهيار، لكن من الواضح أن البلاد مقدمة على زلزال".
لكن هل يمكن لدولة مثل إيران تتمتع بهذا الكم الضخم من الموارد الطبيعية أن تنهار بتلك السرعة نتيجة فرض عقوبات دولية عليها؟، يجيب البروفيسور زادة قائلا "هذا تحديدا الذي سيسرع بالانهيار، فمستوى المعيشة يتدنى بمعدلات سريعة، ويترافق ذلك مع قمع واعتقالات غير مسبوقة، وتقييد للحريات، وصلت الى مستويات أثارت قلق بعض الشخصيات التي كان يعتبرها الشعب جلادا له مثل أحمدي نجاد، التي أدركت بحكم خبرتها في مجال القمع، أن النظام لم يعد يقدم لأبناء الطبقة المتوسطة الحد الأدنى من احتياجاتها، وأن تعرض الثروة الإيرانية إلى الضياع سواء لعدم الكفاءة في إدارة الموارد، أو الفساد، أو تمويل أوهام إقامة إمبراطورية في وقت تتنامى فيه معدلات البطالة والفقر، يوجد غضبا جماهيريا واسع النطاق يمكن أن يطيح بالنظام في أي وقت".
وتمثل الاحتجاجات الجماهيرية التي يتسع نطاقها يوما بعد آخر أحد المؤشرات المقلقة للنظام.. ففي الشهر الماضي فقط شهدت طهران 450 حركة احتجاجية، وأضرب عمال صناعة الصلب في الأهواز الذين لم يتلقوا رواتبهم منذ ثلاثة أشهر، وبلغ عدد العاطلين عن العمل أكثر من ثلاثة ملايين و200 ألف عاطل عن العمل، وأعداد المؤسسات المالية التي تعلن إفلاسها آخذ في التزايد، كان آخرها إعلان مؤسسة "كاسبين" المالية إفلاسها وعدم قدرتها على تعويض المتضررين، وقد دفعت تلك التطورات جميعا ببعض الملالي إلى رفع أصوتهم احتجاجا على سلوك المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي.
ويبقى السؤال: كيف سيؤثر إلغاء الولايات المتحدة الاتفاق النووي في الاقتصاد الإيراني؟ أوليفر دين الباحث الاقتصادي يعتقد أن موقف الرئيس الأمريكي من الاتفاق النووي سيساعد على فك طلاسم الشفرة الاقتصادية لإيران، من خلال فضح دور الحرس الثوري وعلي خامنئي في نهب الثروة الإيرانية، وتوجيهها لخدمة مصالح شخصية أو طموحات قومية متطرفة بعيدا عن تحقيق مصالح الشعب الإيراني.
ويضيف لـ "الاقتصادية"، "إن الإدارة الأمريكية تدرك تماما أن الحكومة الإيرانية لم تعد المهيمن أو الموجه الحقيقي للاقتصاد الإيراني، إنما تخضع لقرارات الحرس الثوري وقادته، وكانت وكيلة وزارة الخزانة الأمريكية لشؤون مكافحة الإرهاب والاستخبارات المالية قد تعهدت وقبل قرار ترمب الأخير، بزيادة العقوبات على الحرس الثوري الإيراني، وكل من له صلة بتمويل الأنشطة الإيرانية في الشرق الأوسط، بل وحذرت القطاع الخاص من المخاطر التي تحيط بالاستثمار في البلاد، ونبهت الشركات الدولية العاملة في إيران إلى أنها تواجه خطرا كبيرا وستتم محاسبة كل من يتعامل مع الحرس الثوري".
ويعكس الموقف الأمريكي إدراكا بأن قوات الحرس الثوري تهيمن على الاقتصاد الإيراني ولها وجود واسع فيه، لكن هذا الوجود لا يعد واضحا تماما لكثيرين نتيجة غياب الشفافية، فمؤسسة الحرس الثوري فوق القانون ولا تخضع هي أو قادتها للمحاسبة بشكل حقيقي، ولا توجد معرفة شعبية أو حتى داخل أروقة الجهاز الحكومي بحجم الثروة الحقيقية للحرس الثوري التي يقدرها البعض بـ 150 مليار دولار، ومكن هذا الوضع الفريد الحرس الثوري من تمويل شبكة ضخمة من العملاء والموالين لإيران في دول الجوار الجغرافي، من بينها ميليشيات على غرار حزب الله والحوثيين، والحشد الشعبي، وذلك كله عبر اقتطاع مليارات من أموال الإيرانيين وضخها في شكل معدات وأسلحة ورواتب لقادة وزعماء تلك الميليشيات.
ويقول لستر ماك المختص البريطاني في مجال مكافحة الإرهاب "إن التمويل الضخم من الحرس الثوري الإيراني لعديد من الميليشيات الإرهابية في الشرق الأوسط، مكن تلك الميليشيات من امتلاك خبرات قتالية تضاهي الخبرات القتالية للجيوش، والآن مع إلغاء ترمب الاتفاق النووي، فإنه سيتم استقطاع جزء كبير من القدرات المالية للنظام الإيراني، ومن ثم سيكون على قادة الحرس الثوري الاختيار بين أبناء شعبهم وسداد احتياجاتهم الأساسية، أو توجيه تلك الأموال إلى الأعمال الإرهابية، عبر مواصلة دعم تلك الميليشيات، وهذا يحمل في طياته بذور التمرد الشعبي المقبل في إيران، خاصة بعد أن تحدث صندوق النقد الدولي عن وضع شديد الصعوبة للاقتصاد الإيراني، وارتفاع أسعار الصرف الذي يوجد مناخا تضخميا، يترافق مع نمو سلبي في القطاعات غير النفطية".
وترى ألين جاك أستاذة الاقتصادات الناشئة في جامعة "ليدز"، أن قرار ترمب بالخروج من الاتفاق النووي فكك للسلطات الإيرانية سلاحها الاقتصادي الذي استخدمه المرشد الإيراني علي خامنئي والحرس الثوري لبث عدوانيتهما في محيطهما الإقليمي، وأن ضرب الاقتصاد الإيراني وإعادة فرض العقوبات عليه سيجبرهما على الانسحاب من سورية، وتقليص الدعم الموجه إلى الحوثيين، وسيسهم في تفكيك برنامج إيران الصاروخي وإنهاء رعايتها للإرهاب.
وتشير جاك إلى أن "تلك الانشطة تتطلب دعم مالي ضخم، وحرمان طهران من الفوائض المالية التي تستخدمها لتمويل النشاط الارهابي، ستساعد على الحد من قدرة الحرس الثوري على تمويل الارهاب".
وفي الواقع فإن أحد أبرز تداعيات الخروج الأمريكي من الاتفاق النووي، أن البنوك في جميع أنحاء العالم، بما فيها بنوك البلدان التي لم تخرج بعد من الاتفاق، سيكون من الصعب عليها فقدان إمكانية الوصول إلى النظام المالي الأمريكي، وهو ما سيحدث اذا تعاملت مع المصرف المركزي الإيراني، أو مع قطاع الطاقة الإيراني أو الشحن أو بناء السفن أو الموانئ الايرانية، كما أن الشركات التي تقدم التأمين واعادة التأمين للمشروعات المرتبطة بإيران ستخضع أيضا للعقوبات الامريكية، ما سيدفعها حتما لقطع علاقاتها مع ايران.
ولكن هل يمكن أن تنجو صادرات ايران أو احتياطاتها من العملات الأجنبية من العقوبات الأمريكية؟، يرى سيمون هاريس الخبير النفطي أن ذلك شبه مستحيل وإن تم فسيحدث بطرق غير مشروعة.
ويضيف لـ "الاقتصادية"، أنه من المؤكد أن صادرات إيران النفطية ستتراجع، وسيضطر المستوردون إلى خفض مشترياتهم بشكل كبير، كما أن احتياطات إيران الاجنبية ستكون محجوبة والأموال التي ستحصل عليها من تصدير النفط، ستوضع في حسابات الضمان الأجنبية، والبنوك التي ستسمح لطهران بإعادة تحويل أو تحويل جزء من تلك المدفوعات إلى عملات أخرى ستواجه عقوبات أمريكية.
ويستدرك قائلا: "إن هذا الوضع سيخلق حتما أزمة مدفوعات ايرانية، فإذا أخذنا في الحسبان الانهيار الراهن للعملة الايرانية، وتراجع الاحتياطات الأجنبية لديها، فعمليا لن يكون أمام نظام الملالي إلا الاختيار بين الانهيار الاقتصادي أو تغيير أنماط السلوك العدائية ضد دول الإقليم".
ويعتقد بعض الخبراء البريطانيين أن طهران وعلى الأقل في الفترة الأولى للعقوبات، ستواصل غيها وتمارس المزيد من العمليات العدائية في الإقليم، عبر تبني ما يعرف باسم استراتيجية الهروب الى الأمام، من خلال تفجير المزيد من المشاكل والاشتباكات في العالم العربي، في محاولة لحشد الرأي العام الايراني خلفها، عبر الترويج لفكرة ضرورة تحمل المعانة الاقتصادية لصد ومواجهة المخاطر التي يتعرض لها الأمن القومي الايراني.
إلا أن البروفسير جميس جرهام أستاذ العلوم السياسية يعتقد أن تلك الاستراتيجية ستمنى حتما بالفشل ويوضح لـ "الاقتصادية"، إن "هناك وعي متزايد لدى الطبقة المتوسطة الإيرانية، بأن ما تتعرض له من تراجع في مستوى المعيشة، لا يعود إلى مؤامرة كونية أو اقليمية ضد ايران، وإنما مرجعه سوء استخدام مصادر الثروة لتحقيق رؤية ضيقة لمجموعة من المتطرفين، مدعمين بالآلة عسكرية متوحشة تعمل على التوسع خارج الحدود الطبيعية للدولة الايرانية، بتصدير الثورة كوسيلة والية غير مشروعة للاستيلاء على البلدان المجاورة".
وأشار جرهام إلى أن "الاتفاق النووي فتح السوق الإيراني أمام الشركات الغربية المتلهفة للاستفادة من ارتفاع نسبة الشباب والطبقة المتوسطة الايرانية، ويلاحظ أن شركات الطيران وصناعة السيارات والفنادق سارعت لتوقيع صفقات مع الإيرانيين، وتلك الشركات خففت نسبيا الضغوط الاقتصادية التي تعرضت لها الطبقة المتوسطة الايرانية، نتيجة سنوات الحصار الاقتصادي الطويلة، لكنها الآن ستغادر إيران سريعا فهي لا تتحمل تعرضها لخسائر فادحة، نتيجة عودة العقوبات الامريكية على ايران، وهذا يعني أن المعانة الاقتصادية وضيق الحياة، وتقلص فرص الرفاهية ستعود مجددا إلى إيران".
ويعتقد البعض أن الأمر لن يكون حكرا على تلك الشركات، فالعديد من الشركات الدولية والتي قرأت المشهد بصورة دقيقة حجمت عن الاستثمار بقوة في ايران، في أعقاب الاتفاق النووي لقناعتها بعدم عدالته وبأنه سيلقى مقاومة إقليمية ودولية ستفشله، ولهذا ظلت أغلب تلك الشركات على هامش الاقتصاد الإيراني، لكن حفنة منها وقعت في الفخ، وعقدت صفقات باتت الآن في خطر، فشركة "توتال" الفرنسية للنفط والغاز وقعت عقدا بقيمة ملياري دولار للمساعدة في تطوير حقل غاز جنوبي فارس بالاشتراك مع الصينين، والآن تشعر توتال بالقلق لإدراكها أن انهيار العقد حتمي، كذلك شركة "جنرال إلكتريك" الامريكية وشركة "فولكسفاجن" الالمانية ولديهما أنشطة اقتصادية في طريقها للتوقف جراء العقوبات الامريكية.
فالنمو الذي حققه الاقتصاد الايراني في أعقاب توقيع الاتفاق النووي كان هشا، وسيذهب حاليا أدراج الرياح، مما يجعل الوضع الداخلي في إيران أسوأ، ومع انخفاض العملة الإيرانية، فإن تكلفة الواردات ارتفعت، وفي بيئة سياسية مضطربة تتسم بعدم اليقين مثل البيئة الراهنة في ايران، فقد تؤذن الضغوط المتزايدة على الطبقة المتوسطة بانفجار عام قد يعيد إيران إلى مربع الصفر الذي كانت عليه قبل نحو 4 عقود أو أكثر قليلا.

إنشرها

نشكركم زوار العرب اليوم على تصفح موقعنا وفى حالة كان لديك اى استفسار بخصوص هذا الخبر محللون دوليون لـ "الاقتصادية": آثار ثقيلة وشاملة تدفع اقتصاد إيران إلى شفير الهاوية برجاء ابلاغنا او ترك تعليق الأسفل المصدر : الاقتصادية

السابق مستثمرو 6 أكتوبر: إعفاء المشروعات الصغيرة من الضرائب يجذب الاستثمارات
التالى أمريكا تطرد اثنين من دبلوماسيي فنزويلا