أخبار عاجلة
غلق مصنع لمستحضرات التجميل بالدقهلية -
دويتشه بنك يتوقع أرباحاً أفضل -

أنا هو.. «هذا الآخر»| نص جديد لعزة كامل

أنا هو.. «هذا الآخر»| نص جديد لعزة كامل
أنا هو.. «هذا الآخر»| نص جديد لعزة كامل

المكان صامت مقفر، لم يكن سوى ثمة أعمدة ضوء خافتة تتخلل الفراغ بين البنايات السكنية الضخمة التى كان معظمها بيوت أنيقة فخمة، من بعيد لمحت الأضواء المنبعثة من الفيلا تلمع وهاجة مشعة تمزق ظلمة المكان ووحشته.

عندما اقتربت من الباب الحديدى الضخم، سمعت نباح كلاب عاليًا، ابتعدت خطوات عن الباب تحسبًا لأى هجوم، لكن الحارس قابلنى بابتسامة عذبة، جعلنى صوته الهادئ أطمئن، فتح الباب على مصراعيه وأذن لى بالدخول:

- تفضلى، الهانم تنتظرك.

رحت أحدق فى الحديقة، أثارنى حسن تنسيقها والمساحات الخضراء بها، دلفت وراء الحارس إلى بهو الفيلا، ذوق المكان يدل على أن قاطنيه من أبناء الطبقة الأرستقراطية، كل شىء فخم ومتناسق الألوان والأحجام، اللوحات الكلاسيكية تغطى الجدران وتحيط بها إطارات فخمة، إنها أثر فنى يجعل المرء يمكث أمامها متأملاً يطيل النظر فى أسلوبها وجمالها الخالد الذى يستولى على النفس.

صاحبة البيت تنزل على الدرج الحلزونى الذى يتوسط البهو، يتخلل وجهها ابتسامة عريضة، ترتدى ملابس أنيقة وبسيطة، رحبت بى وقدمت إلىَّ نفسها وشكرتنى على قدومى لمعاينة المزاد قبل انعقاده وأخذت تعدد لى التحف التى كانت تتمنى أن تحتفظ بها ثم ضحكت ضحكة متوترة، فجأة استحال ضحكها إلى سعال مزعج، أخذت تسرد على أنواع المصائب والكوارث التى تلاحقت عليها وبتهكم وسخرية مريرة أخذت تلعن الأقدار وتشتم الدهر الذى جعل ثروتها تتبدد واضطرارها إلى بيع محتويات فيلاتها فى مزاد علنى، دفنت وجهها فى يدها وخفضت رأسها، نهضت عن كرسيها فنهضت أنا بدورى، وقفنا متقابلين ولبثنا قرابة نصف دقيقة تنظر كلاً منا للأخرى نظرة حنونة تنفذ إلى أعماقنا كأن شيئاً غريباً يوحدنا يجمعنا معًا، ابتسمت المرأة ومدت إلى يدها وقادتنى إلى دهليز طويل وعندما وصلنا إلى نهايته فتحت باباً على الناحية اليمنى، وقالت وهى متألمة هذه حجرة المرايا، أحب حجرة لدى لم يدخلها أحد لمعاينتها إلى الآن أنت أول شخص سوف يتفحصها وأتمنى أن يرسى المزاد عليك لتفوزى بمحتوياتها، فأنا أعرف أن ذوقك فى انتقاء التحف والعاديات رائع وأنا أقدر وأحترم من يثمن قيمة الأشياء طبقاً لذوقها وقدمها وتاريخها أيضاً.

ضوء واهن بالكاد ينير أركان الحجرة الضخمة فسيحة الأرجاء التى بدت قريبة الشبه بصالة مزادات أو متحف بالغ الأناقة، هالنى ما رأيت، على الجدران صفت مرايا لها أطر مفخمة مذهبة وكيفما تحركت فى أنحاء الغرفة أرى نفسى أتضاعف فى المرايا، السقف منقوش نقوشات قوطية منمقة ورسومات تتخللها ثقوب صغيرة تعكس أضواء ذهبية على المرايا، لم أستطيع أن أحول عينى عن إحدى المرايا التى كانت تحتل الجانب الأيمن من الغرفة مرآة ضخمة إطارها ذهبى منمنم مزخرف بخطوط رقيقة متشابكة، اقتربت من المرآة كمن فقد عقله، تعثرت أثناء خطوى بصندوق من الخشب بدا لى غاية فى الجمال، إنه تحفة حقيقية لكن سحر المرآة غلبنى وجعلنى أتقدم ولا ألقى بالاً للصندوق، عندما واجهت المرآة كنت قد بلغت ذروة الاضطراب.

أقف أمام المرآة، أحدق فيها باهتمام، المرآة صافية مصقولة لا تعكس شيئاً، لا أرى نفسى ولا أرى الأشياء الأخرى فيها، لوهلة تشككت بأن هذه يمكن أن تكون مرآة، ربما تكون جدارًاً أو ربما تكون خيالاً، أو ربما شيطان يريد أن يغوينى، هل أنا أحلم وأرى نفسى فى الحلم الآن؟ لكن كيف يمكن للمرآة ألا تعكس شيئاً؟ أسمع همهمات خفيضة، أُصغِ السمع، إنها أصوات قادمة من أمامى أو ربما من ورائى، أن المرآة يهتز ماء فضتها، ما كل هذه الصور والشخصيات والأمكنة والناس والحيوانات والغيم والمياه والخيالات والنيران التى تتحرك وتتوالى فى صفحات المرآة، تقذف فى وجهى وجوهاً قد نسيتهم رغم أنهم لازمونى سنين عديدة ولكنهم اختفوا عني لمدة طويلة، أن الأزمنة تتوالى، العوالم تتوالد، الرؤى تتشدد وتتغاير، ما هذا الوجه الذى يملأ المرآة الآن وتسيطر صورته عليها؟ نظرت إلى الوجه ملياً استغرقت بكليتى فى التأمل بمقدار لحظات، إنه وجه يشف بالكتمان، يختزن الأسرار ورائحة الألوان وطعم العشق المترسب فى جدران العاطفة، لكن هذا الوجه ليس وجه أنثى وليس وجه ذكر، جميل، حاد، معبر، منطلق، رقيق، مغوٍ، خجول، فجاءة يختفى هذا الوجه وأرى صورتى تبرز أمامى، تملأ فراغ وزوايا المرآة ثم تصغر تدريجياً، وتفسح المكان لوجه ذكورى، لا يوجد شىء فى الفراغ بيننا وحده الحنين يضىء ويرفرف كأهداب مسها هواء شفيف، تتحرر روحى على بساط الوحشة تخوننى الملامح، الأصوات والروائح ورعشة الأيدى الجامحة التى تستبيح للغريب أن يخفف عنى ثوبى السميك، يلتهمنى بنظرته، يرفع رجلى عن الأرض وهناك فى عمق المرآة، ألمح سريراً يأخذنى إليه، يرقدنى بجواره، نتوه فى عالم النشوة وأرجوحة الشهوة نتوجع ونستحم فى لذتنا وجوعنا الشبقى الذى لا يشبع فى ليل يؤنسه الحب، لحظة واحدة هى التى تبقى، لحظة الحب الصافى، نستعجلها لكنها تستمهلنا، أشعر بلذة شجية مترعة بالعذاب مستلبة فى الشبق الوهمى والدخان الباهت الذى يتصاعد من كل مكان حولنا، يغادرنى كالطيف بعد أن أكون تركت له رائحتى، بريق عينى ووشاحى الملفوف على عنقى، يترك عند الباب قلبه، أحمله وأسكنه وأتجول مزهوة بنبضه، استغرق فى عالم الطفولة، أسافر كبطاقة بريد فى الأزمنة، أتوغل بعيداً فى عزلتى يقضينى هاجس الوصول إلى الآخر، أرقص حول نيران الحلم الآسر، ينكسر اليقين بالأشياء ويغادر عالمى المتقلب ويتفتت فى شظايا المرآة، تحتويتى رعشة الدروب، يغوينى جسدى ويغافلنى، ألمح على الوجه الذى أراه فى المرآة الذى هو وجهى نبرة ساخرة ممرورة، أكظم غيظى، أسب المرآة، ألعنها، أود أن أحطمها، أسمع صوتاً قادمًا من عمق المرآة.

- هل تسترجعى ماضٍ بات منقضيًا أم تتجاوزينه أم تجمعى بين هذا وذاك؟!

لم يظهر جسد هذا الصوت فى المرآة أمامى لكننى أحسست به يطبق بإحدى يديه على رقبتى وباليد الأخرى على خصرى، حاولت الفرار لكن قبضته كانت أقوى، أدار جسدى فأصبحت فى مواجهته، كان غليظاً وقبيحًا، ما أدهشنى أن المرآة قد انتقلت إلى ناحيتى ورأيت نفسى مع هذا الرجل فى نفس الوضعية، فجأة خطر ببالى أن هذه المرآة تراقبنى، تتعقبنى.

أرى كرسين أسودين وبينهما طاولة حمراء، امرأتان تجلسان تدخنان وتعبثان بأوراق الأزهار، يشع الحزن على ملامحهما، يأتي البحر هائجاً مائجاً خلفهما، الريح تعصف بالأزهار وتقلب الطاولة وتطيح بالمرأتين من على كرسيهما، يظهر رجلان يعيدان الطاولة لوضعها الأول، يرصان أوراق القمار ويملآن كأسين، يلعبان، يتشاجران، يتقاتلان، يطيران مع الريح التى تشتد ويختفيان، أظهر عارية إلا من ورقة التوت، أفتح باباً ثم آخر، أرى جمعاً محتشداً خلف الأبواب يتقدم بإيقاعات منظومة يقوده منشد أعمى، يهجم الحشد على أعداد غير مرئية، أرجف من الخوف، الحشد يتقدم نحوى، أتشبث بأظافرى فى إطار المرآة، يغمرنى هدير أصواتهم وعنفوان حركتهم، انكمش وأكاد أموت، يتراجع الحشد، ينحصر إلى عمق المرآة، ثم يختفى، أبصر أمامى البحر، تائهة كمن تبحث عن مرفأ قريب للمسافرين كمن تبحث عن فارس يأتى ممتشقاً سيفه البتار، يخطفها على حصان، ساقى تنوءان من التعب.

أنا والهواء جئنا نبحث عن هذا الفارس المغوار، من زبد الموج يأتى، ينتشلنى فأتوهج، وأتمدد على ظهر حصانه وتشتعل طاقة روحى، ألمح وجهه الضاحك يتوالد فرحاً، إنه الحب الأول، القبلة الأولى، نرتحل حيث لا يدركنا أحد، لا يدركنا الليل، ولا تدركنا الشمس ولا حتى المرآة، آه المرآة. أين أنا فى المرآة؟ ربما أنا هذه النقطة فى الطرف الأيمن منها، أو هذا البرعم المركون على الحائط فى الطرف الأيسر أو هذا الطائر التائه فى المنتصف، أو هذه النجمة المثقلة بأضوائها، أو ربما هذه الطفلة التى تلهو، أنها تقترب منى الآن، صارت وجهى وصوتى وعينى، ولم تصر جسدى فهى صغيرة بلا نهدين أو شفتين شبقتين مثلى، ترتدى فستاناً براقاً أنها ذاهبة للعرس، عرس من يا ترى؟ الطفلة تمد يدها كأنها تمدها إلى، افهم أنها تريدنى أن اذهب معها للعرس، أنغام، طبول، مزامير، كئوس شربات، أغانٍ، صحن دار غاصة بالناس فى الوسط تجلس العروسة بجوار عريسها، اقترب منها، أرى نفسى فى ملابس العرس، أين الطفلة؟ لقد ذهبت، الفرحة بادية على وجهى انظر إلى العريس بحب ورغبة، ينظر إلى نظرة تخيفنى، انهض من الكرسى، أركض، يركض ورائى العريس، تنكسر كئوس الشربات الوردى، ينقض على، يطرحنى على أرضية الغرفة المظلمة، يفتض بكارتى بقسوة وعنف، تتحول نظرات الحب إلى كراهية، ابتعد عنه، أغيب فى المرآة وأختفى.

يالك من مرآة غامضة مراوغة، تائهة فى مخاتلتك، مفتونة بخدعك البراقة الزائفة، كيف لى أن انسحب من سطوتك الطاغية، ومن عالمك الذى يذهل ويدهش، وصورك المنعكسة هنا وهناك، آه من هوسك وجنونك وغرائبك.. أسمع خطوات خارج الغرفة، صاحبة المنزل بشكلها الأثيرى الذى ينهض أمامى مرة ثانية، هدوئها الذى يكتسى مسحة حزن ووجهها الذى يشع مودة وترتسم عليه البسمات الصافية، قالت وهى تشير إلى المرآة:

كيف وجدتيها؟

ارتعشت الكلمات على شفتىَّ:

إنها.. إنها مرآة مسحورة مخاتلة

نظرت إلى نظرة عميقة وتنهدت وقالت لى وهى تتقدم ناحية المرآة:

هذه المرآة هى ذاتى، حياتى، عالمى.

صدرت منى صرخة عفوية، فقد خشيت أن تصطدم بالمرآة وتصاب بسوء، لم تبال بصرخاتى فقد اخترقت المرآة التى ابتلعتها فى جوفها، اهتزت المرآة بقوة، تماوجت، كان هناك نور يشع من الإطار الذى احتشد بطاقة جعلت المرآة تتشظى وتنهار كومة من القطع الصغيرة، أخذت أضرب بقدمى على الأرض، تراجعت مترنحة صوب إحدى المرايا، وجدت صورتى فيها، أخذت أحدق مذهولة.. هناك صورة أخرى تقترب من صورتى تحاول أن تتطابق معها.. إنها المرأة التى ابتلعتها المرآة فى جوفها.. آه من أنا؟ أنا الصورة أم الأصل أم صاحبة المنزل؟ أعير أذنى إلى صوت ضحكة هيسترية تخترق المكان تتصاعد رويداً رويداً، ترتفع حدتها، تتواصل، تتكسر المرايا، تتكسر صورتى وأتكسر معها.

نشكركم زوار العرب اليوم على تصفح موقعنا وفى حالة كان لديك اى استفسار بخصوص هذا الخبر أنا هو.. «هذا الآخر»| نص جديد لعزة كامل برجاء ابلاغنا او ترك تعليق الأسفل المصدر : مبتدا

السابق الخاسرون في معركة المتابعين على تويتر أبرزهم : تميم وترامب ورونالدو
التالى تعرف على وظائف وأجور موظفي القصور الملكية