أخبار عاجلة
رسميا: غوارديولا يُقنع نجمه الصاعد بالتجديد -
مايكون بيريرا.. أولى صفقات الهلال الموسم القادم -
مايكون بيريرا .. أولى صفقات الهلال في يناير -
قضية فساد جديدة تطرق باب الإطفاء في الكويت -

بلاغة أيقونات المهرجانات السينمائية .. رسائل فنية وهوية بصرية

بلاغة أيقونات المهرجانات السينمائية .. رسائل فنية وهوية بصرية
بلاغة أيقونات المهرجانات السينمائية .. رسائل فنية وهوية بصرية

محمد بنعزيز

الجمعة 07 دجنبر 2018 - 04:38

أسد مجنج، دب منتصب، نمر، فهد، مُهر، حصان... رموز مرئية بسيطة يمكن التعرف عليها بسهولة، هذه أيقونات شهيرة تقدم معلومة موحية للمتلقي، أيقونات توحي بمعانٍ يعرفها كل البشر منذ الأزل. وهي أيقونات ضد التجريد الغامض والملتبس.

تتمثل وظيفة الأيقونات في التعريف بالمهرجانات بصريا وهي مشهورة لعشاق السينما. وقد صارت علامة تجارية تضعها الأفلام المتوجة على أفيشاتها لجذب الجمهور. علامة تحيط بها سنابل.

الأيقونات هي "العلامات التي لها علاقة تشابه مع الواقع الخارجي" (مجموعة مو، "بحث في العلامة المرئية من أجل بلاغة الصورة" ترجمة سمر محمد سعد المنظمة العربية للترجمة بيروت 2012. ص 146).

ما الطبيعة الفيزيائية للوسيط الخارجي؟

يشبه أصله أو بين الأصل والرمز تشابه مركزي لا هامشي بخلاف الأمر في التجريد الذي لا تحاكي فيه العلامة المرئية واقعا معينا.

الأيقونة في تعريف شارل ساندرز بيرس هي علامة تقيم علاقة مشابهة مع موضوعها نفسه. ويقدم المعجم الفرنسي تعريفين لكلمة أيقونة، أولا صورة دينية مرسومة على خشب. ثانيا نموذج وقدوة تستحق أن تتبع.

يقوم مفهوم الأيقونة على علاقتين متمايزتين، التشابه من جهة والتمثيل من جهة ثانية. على مستوى التشابه يوجد رابط دلالي بين الأيقونة ومرجعها. بين الأسد في الغابة والأسد البابلي المجنح الذي استعاره مهرجان فينيسيا.

ما رسائل هذه الأيقونات؟

هي أداة تمثل وترمز إلى معنى مهرجان معين. يرمز الدب إلى القوة والصمود، ويرمز الأسد المجنح إلى الروح الحارسة، وترمز السعفة إلى شموخ النخل وشموخ مهرجان "كان". سعفة تقف على قلب صلب تخبر عن الحصاد السينمائي الوفير. هنا الشكل يعلن المحتوى. الدال يكشف المدلول.

للجوائز شكل طبيعي وينبغي أن تدل. يقول تاركوفسكي: "تتأسس الصور بواسطة الإيحاء" (النحت في الزمن ص147).

بم توحِ هذه الصور؟ ما المعاني القديمة وما المعاني الجديدة للأيقونة؟

عند القيام بتفكيك دلالة الأيقونة تظهر الاستعارة والترميز والتلميح. أسد، نمر، وفرس، حيوانات نبيلة لا خسيسة. لفهم الدلالات يطلب من المتلقي أن ينزاح من المعنى الأصلي إلى معاني جديدة للأيقونة. ينزاح لكن الربط يبقى، "إن الربط الإيحائي بين شكلين لا يعني فقط شعور المرء بوجود شيء مشترك بينهما، بل يعني أيضا تشخيص طبيعة العلاقات التي تتحكم في الروابط الإيحائية" (فيرديناد دو وسوسر "علم اللغة العام" ترجمة يوئيل يوسف عزيز سلسلة آفاق عربية دار آفاق عربية بغداد 1985 ص 157).

لا توحي الأيقونات بمعانيها الأصلية في الطبيعة، لا يدل الأسد والفهد على حيوانات مفترسة. يفهم المشاهد الدلالات الجديدة لأن المجتمع نسب لكل حيوان سمات معينة.

يتضح من الأمثلة أن لأيقونات المهرجانات السينمائية أصولا طبيعية ودلالات فلاحية لأنه يسهل على المتلقي الانطلاق من مرجع معلوم يُحفز الفهم والتواصل. تتشابه الأيقونات مع الواقع بينما العلامات والرموز لا. علامة @ لا مرجع لها في الغابة. تهيمن الطبيعة على أيقونات المهرجانات رغم أن الأفلام مشاهد صناعية لا طبيعية.

الأيقونات هي كتاب الأميين والمتعلمين، أيقونات تغني عن الكلمات التي تسمم الصور؛ لذا لم تفقد السينما الصامتة تقديرها قط. والأفلام الصامتة هي مدرسة لكل من يريد تعلم السينما. وليس صدفة أن يتزامن ازدهار السميائيات والسينما منذ بداية القرن العشرين.

تحتاج المهرجانات إلى أيقونات لتعريف نفسها أكثر مما تحتاج إلى الكلمات، استعيرت الأيقونة من الدين ويمكن تتبع التأثير الأسلوبي للأيقونات الدينية على اللغة السينمائية، وليس صدفة أن يأتي مخرجون كبار من مدن كاثوليكية شهيرة، وأن يقدموا أفلاما تحترم المقدس والسرد الديني الرسمي (حالة فيلم ليالي كابيريا 1975 لفيليني وكل أفلام تاركوفسكي)، يريد المنطق الديني أن يكون المقدس لا مرئيا بينما يحتاج الكهنة والسينمائيون أن يكون المقدس والحكايات مرئيين. تبتهج السينما بالتشيؤ.

لا تشترك السينما مع الدين في التعبير بالأيقونات فقط بل هناك تشابه في الطقوس، تجري مشاهدة الأفلام في صمت أقرب إلى الخشوع، بل يبدأ الخشوع منذ وطء البساط الأحمر ويساعد المسار الطويل على الدخول في حالة الخشوع تدريجيا. ويبلغ الخشوع والوجد والرضا مداهم حين يقف سينمائي لتلتقط له صور وهو يحمل سعفة أو أسدا أو حصانا... ومع الصور ابتسامات كبيرة على البساط الأحمر.

وبعد الجوائز تأتي التجارة بوضع أيقونة المهرجان الذي منح الجائزة بين سنبلتين. وعلاقة بالسنبلة تكتب الصحف أن الفيلم الفلاني يحصد جائزة. وفي باب الحصاد تتفوق السعفة على الدب والأسد المجنح في صفحات وسائل الإعلام. ومن فرط قوة أيقونة السعفة قبّل الحاصل على الجائزة الكبرى في مهرجان "كان" 1998 قدَم رئيس لجنة التحكيم تعبيرا عن الامتنان. قبّل Roberto Benigni قدم مارتن سكورسيزي، لقد شاهد روبيرتو الأقدام تقبل في روما وهي مدينة لها أيقونة ذئبة مرضعة. وبذلك خلق فضيحة صغيرة شوشت على السعفة الأهم ذهبت لأنجيلوبولوس عن "الأبدية ويوم واحد".

يندرج هذا المقال ضمن بحث لتدريب العين على الأنساق البصرية بعد أن طغى عليها تدريب الأذن على الأنساق السردية. لقد درستْ الفلسفة علاقة اللغة بالفكر، ووجدت أن الفكر سابق على اللغة. ماذا عن علاقة اللغة بالصورة؟

إنشاء الصور سابق عن كتابة أية لغة، الرسوم على جدران الكهوف أقدم من الكتابة بعشرات آلاف السنين. السينما ليست فنا لغويا. ولا تدل الجملة العربية "اللغة السينمائية" عن كل محتوى الجملة الفرنسية "le langage cinematographique"، في الجملة العربية يسقط تعبير graphique أي رسم وعلامة وتخطيط بياني... وليس صدفة أن تكون الكثير من الأفلام العربية ثرثارة لا بصرية.

ويفتح التفكير المتواصل في السينما زوايا نظر جديدة، تفكير وبحث يؤثر على الباحث وتصوراته. لماذا؟

لأن "البحث ليس وعاء تفتحه ثم ترده إلى مكانه في الدولاب" (بيتر بروك "النقطة المتحولة" سلسلة عالم المعرفة عدد 146 ص143). البحث حالة مزاجية يحركها الفضول ويطورها التقصي للفحص والمقارنة.

وبالمقارنة يتضح أنه في مجالات عدة يغلب اختيار الإيقونات المستعارة من المشهد الطبيعي على تلك المستعارة من المشهد الثقافي الصناعي، لجائزة الأوسكار وكأس العالم شكل بشري، لشركات الإنتاج السينمائية أيقونات حيوانية مثل أسد يزأر في دائرة ميترو غولد ماير. للمنتخبات ألقاب طبيعية مثل ديكة فرنسا ونسور قرطاج وأسود الأطلس. وسبب هذا الاختيار هو أن الأيقونة الطبيعية تحتفظ بقوة الوهم المرجعي، تحيل أفيشات المهرجانات على رمز في عالم السينما دون أن ينسى المتلقي الدلالة الأصلية. تتنافس المهرجانات كما تتنافس الفرق في كرة القدم.

ولزيادة المنافسة الرمزية فالدب البيرلينالي ذهبي، وسعفة "كان" ذهبية تزن 118 غراما. لكن ليس كل الجوائز التي توصف بالذهبية هي كذلك فعلا، حتى حين تكون مصبوغة بالأصفر، فقط يفتخر الحاصل عليها بأن فيلمه حاز الذهب. يشير اللون هنا إلى قيمة الأيقونة. إنها غالية وأبدية مثل الذهب الذي لا يصدأ ولا يتغير، حاليا حتى التفاحة المعضوضة تلون بالأصفر. الصور الذهبية أكثر تأثيرا.

كم من مهرجان مغربي يمكن معرفة أفيشه بصريا دون قراءة اسمه؟

باستثناء المهرجان الوطني للفيلم الذي يتخذ مغارة هرقل أيقونة، فإن باقي المهرجانات ليست لها هوية بصرية.

السينما لغة بصرية أولا؛ لذا على مدراء المهرجانات المغربية ـن ينقبوا لصنع أيقونات تدل على مهرجاناتهم.

السابق صناع فيلم "122" يقررون عرض العمل بداية الشهر المقبل
التالى قضية اختفاء أمل ماهر تعود للواجهة وتساؤلات حول تغريداتها