أخبار عاجلة
حظك اليوم.. برج الدلو الثلاثاء 26 مارس 2019 -
بيان لرئاسة الجمـــهورية -
طائرات الاحتلال تقصف غزة بـ 30 غارة جوية -

فيلم فتى الأدغال "ماوكلي" .. البشر يتعلمون من حكايات الحيوانات

محمد بنعزيز

الجمعة 01 مارس 2019 - 02:00

سرديا يبدأ فيلم المخرج أندي سركيس "ماوكلي" 2018 بخلل مكاني ترتب عنه حدث استثنائي:

ظهر رضيع بشري في الغابة.. رضيع يحميه فهد أسود وترضعه أنثى ذئب، ثم يتولى دبّ تربيته. يسجل الدب أن الأطفال يعوزهم التركيز للنجاة من المخاطر. يقول الدب لماوكلي: عندما تهرب افعل ذلك بسرعة، لأن من يهرب هو مُهدّد بأن يصير فريسة ولا توجد فرصة ثانية في الغابة. يصطاد الفهد للضرورة فقط، لا مكان لصيادي المتعة في الغابة. القتل للمتعة عاهة بشرية فقط.

f6e6730e50.jpg

يتابع المربي الحكيم: احذرْ شعبَ القردة، لأنه شعب بلا قوانين. اقبلْ نتائج كلّ رهان تدخل فيه، هذه هي النزاهة. قد يكون الخوف جوابا ذكيا في بعض الظروف.

يشرح الفيلم نظام الحكم بمنهج قانون الغاب، الذئب الذي ينتصر على الذئاب المنافسة له يصير ملكا. أعتقد أن سلوك "أمير" نيقولا ميكيافيلي لا يبدو بعيدا عن هذا. في الفيلم الإنسان مسلح بالنار، وهي أسرع من الفهد الأسود، بفضل النار صار الإنسان ملك الغابة. نقل الإنسان النار من الموقد إلى البندقية. في الفيلم طفل رباه الذئب، لكن الإنسان أكثر خطورة من الذئاب، بدليل أنه قهر النمور. شيرخان نمر حقير لأنه يتخذ الضّبع صديقا.

ذات مرة جاع ماوكلي ولم ينتبه فخطفه القرد ابن عمه فتأكدت النصيحة. كل نصيحة يقولها المربي تتعرّض للاختبار في الفيلم. هنا يظهر المنهج التجريبي من خلال سلوك الشخصيات.

917e84c6fd.jpg

هذه تفسيرات سوسيولوجية وليست تخييلا، ومن فرط قوتها فإن مشاهدي سيرة ماوكلي يتزايدون مع الزمن.

في النصف الثاني من الفيلم ينتقل الطفل ماوكلي من الغابة إلى المجتمع؛ كان يتناول النيئ ثم سيشرع في استهلاك المطبوخ. لكن ولاء ماوكلي لمرضعته لن يضعُف.

بصريا هنالك لقطات قصيرة سريعة، كادر كثيف في مقدمته وعمقه وفيه لعب ماهر بالضوء والظل معا. هنالك تنوع في حركة الكاميرا: تتقدم، تتراجع، تصعد، تنزل، ما يعطي للمتفرج إحساس التجول في الغابة. تحلق الكاميرا كنسر فوق الغابة فيشعر المتفرج بأنه يملك المكان دون أن يمل بفعل توالي لحظات التوتر والاسترخاء، وكل ذلك بحرفية عالية.

"ماوكلي" فيلم تعرضه نيتفليكس التي تهدد هوليود، وهو مقتبس من "كتاب الأدغال" 1894 لرديارد كيبلينج. هو الكتاب القصصي الأكثر اقتباسا في السينما والتلفزيون والرسوم المتحركة. والجديد في الكتاب أنه عصرن حكايات الحيوانات مقارنة بما كتبه ابن القفع في كليلة ودمنة وما كتبه لافونتين في حكاياته.

b71ab56b0d.jpg

إن ماوكلي شخصية عجائبية من القرن التاسع عشر يدخل القرن الواحد والعشرين من بابه الواسع. ماوكلي أشهر من دون كيخوت، لأنه يخاطب الطفل المتواري فينا. خطاب يتغلغل في الوجدان، لأنه يملك قوة ذاتية ولا يحتاج دعاية ومهرجانات. وتجدر الإشارة إلى أن آخر اقتباس لرواية "كتاب الأدغال" بنفس العنوان 2016 قد حقق دخلا سينمائيا ملفتا بلغ حوالي مليار دولار في الولايات المتحدة وحدها. والفيلم من إخراج جون فافيرو.

يؤكد نجاح الفيلم أن قصص الحيوانات، التي تقدم ميثولوجيا بدائية لا تشيخ وإن شاخ مشاهدوها، قصص تشتغل على أرض سردية محروثة جيدا، أرض شكلت اللاوعي الحكائي للمتفرجين الذين سمعوا منذ الصغر حكايات الذئب والحمل والحمار والأسد والبغل الغدار والجمل الهائج. تنجز هذه الحكايات مهمة تخليد وحراسة الذاكرة الشعبية الزاخرة بالدروس، لذلك لا يتوقف البشر عن التعلم من حكايات الحيوانات؛ حكايات شفوية عمرها مئات آلاف السنين، بينما عمر الكتابة لا يزيد عن أربعة آلاف عام، ولم يتعلمها مئات ملايين البشر بعد في القرن الواحد والعشرين.

إن حكاية ماوكلي نموذج للقاء وامتزاج الطبيعة والثقافة، لقاء وامتزاج الإنسان والحيوان فينا. في اقتباس الرواية لفيلم 2016 نجد مشاهد:

ea660f841c.jpg

هدنة على الماء، ظهور غربان قبل وصول العدو، سجود للفيل الضخم، نمر مذهب شرير يقع في النار ونمر أسود طيب خدوم وهو يغيث البطل حينما يريد النمر المذهب افتراسه. تلغ الحيوانات بلسانها في ماء النهر بينما يلقي الطفل دلوه ويجره بحبل فيشرب وهو جالس فوق صخرة. هذا هو الفارق بين شرب الطبيعة وشرب الثقافة. تصوير بهاء الغابة لا يلغي تفوق الثقافة على الطبيعة. وقد كانت لحظة شرب ماوكلي هي لحظة الانفصال بين الإنساني والحيواني كما حصل لأنكيدو في أسطورة جلجامش. كانت لحظة الشرب والحب لحظة تحول أنكيدو فقصد بيت عشتار.

بالمقارنة بين اقتباس "كتاب الأدغال" في فيلمي 2016 و2018، نجد في الاقتباس الجديد أن الإيقاع أسرع والشخصيات أعنف، وهذا يضمن للمتفرج ألا يجد فجوة بين واقعه وبين أجواء الفيلم، بل سيجد المتفرج امتدادا لواقعه. فالطفل يحدد هويته بأنثى الذئب التي أرضعته، بينما تعتبره باقي الحيوانات إنسانا. يعاني ماوكلي من هوية مزدوجة: إنسان أم حيوان؟.

2e1c97e85d.jpg

قد لا يدرك المتفرجون هذه الأعماق الأنتروبولوجية لكنهم يستشعرونها نظرا لكونية قوانين السرد؛ وهو ما تثبته السرديات المقارِنة. فالحية الخبيثة مثلا تظهر في فيلم ماوكلي كما تظهر في سفر التكوين. الحية التي تمشي على بطنها وتأكل التراب بسبب خطيئتها.

على صعيد المغزى تضفي الطبيعة على الخيال إمكانيات أكبر من إمكانيات الحياة الواقعية حسب ستانيسلافسكي.

هل "ماوكلي" حيوان؟

لا. إنه "همجي، أي بلا ثقافة"، رولان بارت "الغرفة المضيئة" ص 12

7348fd5af9.jpg

إن ماوكلي كائن ثقافي وسط الطبيعة. و"الطبيعة والثقافة" هو أول درس فلسفي يتلقاه تلاميذ الثانويات المغربية. درس بمفاهيم فلسفية مقطوعة عن الواقع والحياة. لذا سيكون عرض هكذا أفلام لهؤلاء التلاميذ مفيدا في تخصيب متعة الدرس الفلسفي. سيشرّح الفيلم ما يُورّث، ما يوجد فينا بحكم الإرث البيولوجي وسيشرّح ما يكتسب، أي الثقافة. وسيلاحظ التلاميذ المتفرجون ما الذي يغلب على سلوكهم، هل الغريزة أم ما يكتسب من قيم؟..سيزرع فيهم السؤالُ شكا وقلقا فلسفيين حين سيلاحظون سلوكياتهم. كل حكاية عن الحيوان تساعد الإنسان على فهم نفسه، والحكاية المدهشة - حسب جوزيف غامبل - هي التي يجعلُ مغزاها النورَ يشرقُ فينا.

السابق إعدام 441 طن أسماك فاسدة يتصدر أخبار المحافظات.. فيديو
التالى تعرف على مهمة جيمس بوند الجديدة في الإمارات.. فيديو وصور