رجال البكوات في صالون رئيس الحكومة

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ

كان اقتناء السلاح والتغاوي والتباهي به من مكملات الفتوّة واستعراض القوة البدنية والسطوة بين زمر فتيان وشبان غير متعلمين أو تعلموا تعليمًا بسيطًا وانقطعوا عننه إلى أعمال ومهن مختلفة. وكانت هذه الظاهرة تلابس الاجتماع اللبناني المحلي في مناطق كثيرة، ومنها ساحل المتن الجنوبي وقراه المحلية.


وكان الراوي خليل خالد الفغالي (مولود 1934 في المريجة) يميل إلى الفتوّة منذ صباه. لذا أخذ يتردد إلى منزل الياس الصوري الذي كان "شيخ شباب" في شبكة الزعيم والنائب النافذ هنري بك فرعون. ثم صار فتىً في زمرته وعزوته في المريجة، قبل شرائه مسدسًا من نوع "سمث إند وسن" بـ31 ليرة لبنانية، وابتياعه طلقاته النارية من جرجس سلمان الديب الذي كان يعمل في "دكّها" وتعبئتها يدويا في بيته ببرج البراجنة. 

القبضاي الياس الصوري

ولد إلياس بطرس يونس سنة 1910 في محلة الجميزة القريبة من مرفأ بيروت، ويعود أصل عائلته ومنبتها إلى مدينة صور. الأرجح أن الياس ورث ميله إلى الفتوّة عن والده الذي كان من قبضايات الجميزة، الحي المديني البيروتي الذي توافد سكانه المسيحيون من ديار شتى ونشأ فيه اجتماعهم الجديد. وهذا ما أدى إلى تمييز الياس برده إلى منبت عائلته السابق، فكُنّي وعُرف بالياس الصوري. وبعد تملكه سيارات وشاحنات نقل في مطلع الثلاثينات، انتسب إلى حزب "الكتائب اللبنانية" في بدايات تأسيسه. لكن توطد زعامة هنري بك فرعون في بيروت، واعتماده في زعامته المحلية على شبكة من القبضايات و"مشايخ الشباب" والمفاتيح الانتخابية في أحياء بيروت وضواحيها وبعض المناطق الأخرى، حملا الياس الصوري على ترك الحزبية الكتائبية والالتحاق بشبكة قبضايات فرعون.

انتقل الصوري من الجميزة الى المريجة، حيث تزوج امرأة من نسائها، فأسكنه يوسف البستاني (قد يكون والد زوجته) في قصر كان سابقًا لأنطوان بيك البستاني. وهكذا وزع نشاطه بين المريجة والجميزة ومرفأ بيروت الذي كانت لفرعون فيه أعمال واسعة ونفوذ وعزوة، كما في ميدان سباق الخيل البيروتي. وسرعان ما صار قبضاي المريجة الأبرز والمرهوب الجانب بين محاسيب زعامة هنري فرعون وبطانته، فأخذ شبّان الضيعة يترددون إلى قصر القرميد الذي كان يسكنه، وصار صاحب عزوة وهيبة بين القبضايات المحليين، مستعملًا نفوذ فرعون في حلّ مشكلاتهم، وتخليصهم من الدعاوى القضائية التي تُقدّم ضدهم في المحاكم، أيام كان نفوذ الأحزاب ضعيفًا في البلاد، مقارنة بنفوذ الزعماء السياسيين وبطاناتهم من القبضايات و"شيوخ الشباب" والمفاتيح الانتخابية.

وبعد مقتل إميل الخوري، أشرس أركان الزعيم والقطب النيابي الكاثوليكي (فرعون) في شبكة أزلامه ومحاسبيه - منهم الحاج نقولا مراد وحنا يزبك الذي كان مزدوج الولاء بين فرعون وحبيب بك أبو شهلا - توسع نفوذ الصوري في تلك الشبكة، وصار من أخصّ أتباع البيك الكاثوليكي في بدايات عهد استقلال لبنان عن الانتداب الفرنسي سنة 1943.

تهاني بنجاة البيك

بعدما أُعدم أنطون سعادة سنة 1949، أقدم محازب قومي سوري على محاولة اغتيال رئيس الحكومة اللبنانية رياض بك الصلح سنة 1950، فأطلق عليه من مسدسه عيارات نارية أخطأته، فيما كان يهمّ بالدخول إلى منزل وجيه من آل الغلاييني في رأس بيروت، تلبية منه دعوةً على العشاء تلقاها من الوجيه البيروتي. طارد مرافقو رئيس الحكومة من رجال جهاز الأمن العام المحازبَ القومي السوري، وتمكنوا من القبض عليه. وكانت أصداء الحادثة مدوية في لبنان وعاصمته. وجريًا على عادة وتقليد محليين، غصّ في ذلك المساء منزل رياض بك الصح بالمهنئين بنجاته من الاغتيال، ولتقديم آيات الولاء والوفاء لزعامته. وظلت الوفود الرسمية والشعبية تتقاطر إلى منزله ليومين أو ثلاثة بعد الحادثة.

صبيحة النهار التالي جمع إلياس الصوري شبان عزوته وأتباعه في المريجة للقيام بواجب تهنئة الزعيم البيروتي. فرجل مثله لا يليق به تقديم التهامي بمفرده لزعيم ورئيس حكومة نجا من محاولة اغتيال، ما دامت أمثال هذه المناسبة لا تنطوي على إظهار مكانة الزعيم فحسب، بل أيضًا على مكانة من يقوم بواجب التهنئة وما يمثله وعزوته في شبكة الولاء للزعامات الذين غالبًا ما كان يتنافس مقدَّموا محاسيبهم من القبضايات وتحدث بينهم نزاعات تؤدي أحيانًا إلى القتل، وأحيانًا يتعاونون ويتبادلون الخدمات، حسب علاقات أولياء أمورهم من الزعماء وأحلافهم.

كان الراوي الفغالي واحدًا من 20 شابًا تجمعوا في منزل الصوري الذي تصدرهم وتقدمت سيارته الكريزلر موديل سنة 1950 موكب سيارات أربع أو خمس توجهت إلى محلة رأس النبع، حيث كان منزل رياض بك الصلح قبالة الكلية العاملية، فوجدوه يغص بالزوار المهنئين من فئات ومراتب كثيرة، وفي أزياء شتى متباينة. تقدم الصوري عزوته وأتباعه من شبان المريجة في الدخول إلى صالون البيك رئيس الحكومة الذي أجلسه وقتًا إلى جانبه وحادثه باعتباره من بطانة هنري بك فرعون الأخصّاء. 

زلمة البيك.. بيك

بعد خروج الصوري من منزل الصلح ليستقل سيارته، استوقفه في الشارع شرطي بلدي تابع لبلدية بيروت، يدعى أنيس أبو زيد، وهو من أهالي المريجة ومقيم فيها ويعرف الصوري ومن يكون، ويعرفه الصوري الذي قال له الشرطي: أنا قاصدك يا إلياس بك (كأن زلمة البيك، وزائر بيك آخر يصير بيكًا بدوره)، بدي (أريد) منك خدمة ضرورية. محافظ بيروت نقولا رزق الله شطب إسمي من لائحة ترقيات معاوني الشرطة البلدية ليصيروا في جهاز شرطة بيروت. مع أن الخواجا هنري بك فرعون اتصل بالمحافظ وأعطاه إسمي ليكون في اللائحة. فما كان من الصوري إلا أن طلب من الشرطي أبو زيد أن يوافيه إلى منزله في المريجة.

في الساعة الثامنة من صبيحة النهار التالي دخل الراوي الفغالي كعادته إلى منزل الصوري، فوجده جالسًا في الصالون يتناول قهوته الصباحية مع الشرطي وابن عمه جريس أبو زيد، ويتحادثون في مسألة الترقيات إياها. وبعد وقت قصير نهض الصوري ودخل غرفة نومه وارتدى ثياب الخروج، ثم اصطحب الفغالي وابن عم الشرطي في سيارته الكريزلر (لم يصطحب الشرطي نفسه، ربما لأنه من غير المناسب اصطحاب صاحب القضية الذي يفترض أن يكون في عمله ووظيفته)، وتوجه الثلاثة إلى منزل رياض بك الصلح.

البيك والمحافظ

كان صالون البك يغص بالزوار المهنئين، ومنهم أبو يوسف راشد دوغان بلباسه العربي، وسواه من قبضايات بيروت وطرابلس وصيدا، الذين يعتمر بعضهم طرابيش ويرتدون بذلات وربطات عنق ويرتدي آخرون لباسًا عربيًا مثل دوغان. لم يكن رياض بك الصلح حاضرًا في المجلس، فسأل عنه الصوري الجالسين، فقيل له إنه لا يزال يأخذ حمامه الصباحي. انتظر الصوري قليلًا. لكن بما أن الترقيات كانت ستصدر في ذلك الصياح، وخشي من ذهاب زيارته ووساطته سدىً، طلب من أحد الجالسين إعلام رياض بك بأنه يحتاج إلى مقابلته على وجه السرعة لأمر ضروري لا يحتمل الانتظار. دخل الرجل إلى غرف المنزل الداخلية، ثم عاد طالبًا من الصوري أن يتبعه. حشرية الراوي الفغالي حملته على الدخول خلف الصوري إلى حيث أبصر رياض بك الصلح مرتديًا الروب دوشومبر في الممر بين غرفة النوم والحمام، وسمع بين الرجلين الحوار التالي:

- رياض بك: شوباك يا إلياس، شوفي، خير إن شاء الله؟

- الصوري: يا بيك، بالرغم من أني كلمت محافظ بيروت نقولا رزق الله بأسمك وبأسم الخواجا هنري بك (فرعون) لترقية الشرطي البلدي أنيس أبو زيد في لائحة الترقيات التي ستصدر اليوم، شطب رزق الله إسمه من اللائحة. أنا والخواجا فرعون طالبينو منك يا رياض بك.

طلب رياض الصلح إحضار جهاز الهاتف إلى حيث كان يقف في الممر، فأُحضر الهاتف يجرّ الشريط المتصل به، فقال البيك للرجل الذي يحمل الجهاز أن يتصل له بنقولا رزق الله، فسمع الراوي الحوار التالي بينهما:

- رياض بك: صباح الخير معلم نقولا، كيفك؟

- نقولا: ....

- رياض بك: الشرطي البلدي أنيس أبو زيد ليش انشطب اسمه من لائحة الترقيات؟

- نقولا: ....

- رياض بك: أكيد، أكيد، التوازن الطائفي ضروري، يا نقولا. لكن أنيس أبو زيد لازم يكون أسمه باللائحة. وإذا بدك (تريد) شطوب من اللائحة أسم واحد من جماعتنا اللي (الذين) عطيتك أسماءهم.

بعد انتهاء المكالمة التفت رياض بك الصلح إلى إلياس الصوري، وقال له: مشي الحال يا الياس، تكرم عينك، وسلم لي عَ الخواجا هنري. ومثل ما سمعت قلت للخواجا رزق الله أن يشطب واحد من جماعتنا، لكنه رفض، ما رضي. اللائحة كلها رح تمشي مع أبو زيد. تكرم يا الياس، وما تنسى تسلم عَ الخواجا هنري.

أخبار ذات صلة

0 تعليق