أخبار عاجلة
نجوم الأوبرا في حفل التراث بالجمهورية -

"... صارت حبرًا" للدكتور هاني صافي: كتاب في أدب المقالة الإذاعيّة

-

صدر للدكتور هاني صافي، مدير كلّية الإعلام في الجامعة اللبنانية - الفرع الثاني كتاب "...صارت حبرًا" في أدب المقالة الإذاعيّة. هو مجموعة مقالات بثّها صافي عبر أثير إذاعة صوت لبنان - الضبيّة، كل يوم أربعاء طول سنوات خمس من أوّل أيلول 2011 حتى آخر أيلول 2015، في فقرة "بلا ضوابط" الخاصّة به، والتي ما زالت مستمرّة حتى يومنا هذا. 

"... صارت حبرًا" كتاب فريد من نوعه، شكلًا ومضمونًا وأسلوبًا.

أوّلاً، في الشكل، إنّه الوحيد الذي جمع مقالات بُثّت إذاعيًّا. فثمّة كتب وثّقت مقالات صدرت في الصحافة المكتوبة كـ" لبنانيّات - مقال الأربعاء" لسمير عطالله و"207 مقالات وتاريخها 1953 - 1992" لميشال أبو جودة الصادرين عن دار "النهار"، وغيرهما. لكن "...صارت حبرًا" تفرّد في تجسيد مقالات إذاعيّة "حبرًا في كتاب، هو اليوم في متناول العين بعد الأذن"، كما أورد صافي في مقدّمته.

ثانيًا، في المضمون. سياسيًّا، تميّز الكتاب بجمعه بين دفّتَيه مقالات تؤرّخ مرحلة حرجة من حياة لبنان والدول العربيّة في فترة التحوّلات الكبرى في المنطقة: عربيًّا، واضعًا "الثورات العربيّة في الميزان" (14 أيلول 2011) (ص 10) حيث صدق توقّعه منذ نحو سبع سنوات، في تساؤل العارف "هل نحن نعيش زمن الربيع العربي أم نشهد على ثورات شعبيّة عفويّة غير هادفة ؟"؛ ولبنانيًّا، استشرف وجوب إنشاء "وزارة التخطيط" (9 تشرين الثاني 2011) (ص23)، والتي بدأت المطالبة بإنشائها اليوم، حيث أكّد صافي أنّ "تغيير واقع الإدارة الحالي في لبنان نحو الأفضل لا يكن إلاّ بإنشاء وزارة للتخطيط تستشرف المستقبل وتنسّق مجهود وعمل الوزارات والإدارات كلّها، وتوقف الهدر في الوقت وفي المال العام...". ومنتقدًا الحكومة اللبنانية في أول أيار 2013، كأنّه اليوم تمامًا، في مقالة بعنوان "دُقّ ناقوس الخطر" (ص 148)، فحمّلها المسؤوليّة لأنّها "لم تستبق انعكاسات الأزمة السوريّة... فلم تضع خطّة متكاملة لاحتواء مشكلة النازحين السوريّين، بدءًا من تنظيم وجودهم على الأرض اللبنانيّة، مرورًا بتحديد الاحتياجات وأولويّاتها...".

واقتصاديًا، انتقد صافي، الأربعاء 10 تشرين الأوّل 2012، وكأنّه يتحدّث اليوم، في مقالة بعنوان "تمويل سلسلة الرتب والرواتب" (ص 103) الاقتصاديين الذين باستطاعتهم "أن يضعوا الف طريقة لتمويل السلسلة أو لتوفير المال. لكن في ظلّ الفساد المستشري في مفاصل الدولة والمؤسّسات العامة، لا جدوى من أي خطط... فأوّل العلاجات لوضع ماليتنا العامّة ليس اقتصاديًّا وإنّما هو أخلاقيّ". وما أشبه اليوم بالبارحة!

واجتماعيًّا، كان صافي السبّاق في تصوير حالات بدأت تفرض نفسها على المجتمع وما زالت تتفاقم. ففي مقالة "التواصل الالكتروني" (29 شباط 2012) (ص 50) يروي ما شاهده في أحد مطاعم بيروت حيث الرواد لا يتبادلون الأحاديث لانشغالهم بالوسائل الالكترونيّة، "أناس انقطع التواصل البشريّ بينهم، فاستبدلوا به التواصل الالكتروني...". وفي مقالة "موضة قطع الطرقات" (11 تموز 2012) (ص 83)، والتي ما زلنا نرى نماذج منها اليوم، يعتبر صافي أن الحكومة "هي صاحبة السلطة في منح التراخيص للحركات والتظاهرات والمسيرات... على أن لا تؤذي الناس في مصالحهم وحركتهم".

من حفل التوقيع.

هذا غيض من فيض ما تميّز به مضمون "...صارت حبرًا"، فلم نتطرّق إلى المقالات التي عالجت مسائل تربويّة وبيئيّة وإنسانيّة وفلسفيّة وأدبيّة وإعلاميّة... ـ وجميعها لا يغيب عن قارئها "أن غالبيّتها ما زالت صالحة لوقتنا الحاضر على الرغم من مرور السنوات عليها"، كما جاء في مقدّمة الكتاب (ص 6).

ثالثًا، في الأسلوب. أصاب صافي في إضافة عبارة "في أدب المقالة الإذاعية" تحت العنوان على الغلاف. فالمعروف أن اللغة الإعلاميّة تختلف عن اللغة الأدبيّة. فالأولى تعتمد على "تجنّب البلاغة اللفظيّة والزخرفيّة والإنشائيّة... وتفادي المحسّنات اللفظيّة والبديعيّة بقدر الإمكان" (الدكتور أحمد راغب، العمل الصحفي : المقروء والمسموع والمرئيّ، مكتبة لبنان ناشرون، 1999، ص 130). طبعًا، ثمّة إعلاميّون برعوا أدبيًا في الصحافة المكتوبة مثل عقل العويط الذي يُجمع النقّاد على أن مقالاته في جريدة "النهار" ذات طابع إبداعيّ إنشائيّ مميّز، وغيره.

أما في الإعلام الإذاعيّ فقد تفرّد صافي بالجمع بين الإعلام والأدب، فيحار الناقد في توصيف مقالاته: هل هي إعلام أدبيّ أم أدب إعلاميّ؟ فالمادّة إعلاميّة: سياسة، اقتصاد، اجتماع، بيئة، تربية... والأسلوب أدبيّ، سهل ممتنع، غنيّ مجازًا وإيحاءً، تتداخل فيه الصور البيانيّة والمعاني التضمينيّة، وطغيان الأسلوب الإنشائيّ. ويكقي إلقاء نظرة على بعض العناوين لاستنباط هذا الإبداع الأدبيّ:"السياسة دربٌ من دروب السياسة" (ص14)، "وجوه وأقنعة"(29)، "جبران شهيد الكلمة"(ص31)، "قضيّة المنسيّين المنسيّة"(ص34)، "ثمن الكراسي"(ص46)، "غسان تويني عملاق الكلمة"(ص77)، "الجوع يغلب الوفاء"(ص93)...

ومن العناوين إلى المضمون الغنيّ بالصور البيانيّة والبديعيّة والصيغ الإنشائيّة، التي يندر أن تخلو منها أيّ مقالة. استعارات: "فحذارِ أن تسوقوا مثل السوق وإلّا اندثَرَ النور مسايرةً للعتمة"(ص9)، "حفَرَتْ فيَّ هذه القصّة عميقًا"(ص15)، "لبنان يغلي على نار المطالب"(ص58)... . وتشابيه: "وكأنّ الأخطار قدَر لا تقع مسؤوليتها على أحد"(ص79)، "حال اللبنانيين كحال مرتا في الإنجيل"(ص109)، "...السيّدة العذراء والقديس يوسف تصرّفا منذ لحظة البشارة كحامييْن للحياة"(ص197). وكنايات:"المدرسة التي أسّسها فؤاد شهاب"(ص63)، "سيظلّ الإعلان(حقوق الإنسان) حبرًا على ورق"(ص196)، "وقع القلم من يده(غسان تويني)"(ص77). طباقات: "حطّم يسوع كبرياءنا وعلّمنا التواضع"(ص33)، "تحسّسًا من أبناء النور مع أبناء الظلمة"(ص60)، "المحبّة تقتل الكراهيّة"(ص221). والجناس والسجع:"...وإلّا نكون نسينا الوديع والوديعة التي ائتمنّا عليها"(ص186)، "كيف سُمحَ للجشع بأن يهدّد سلامة الغذاء بعد سلامة الدواء وسلامة البناء؟"(ص56)، "...في ظلّ التخوين والتخويف"(140)، "ألم يتكفّل الوقت...بكشف المستور وتوضيح الأمور؟"(ص303)... . وختامًا، الأسلوب الإنشائيّ، فصيغة الاستفهام تكاد لا تغيب عن معظم المقالات...

وأخيرًا، لعلّ قمّة الإبداع، فصاحةً وبلاغةً وإيحاءً، تتجسّد، في مقالة رثاء الشاعر سعيد عقل(3 كانون الأوّل2014) غداة وفاته، فنختم بخاتمتها التي تؤكّد موهبة صافي "الإعلاميّة الأدبيّة": "البارحة هوى عملاق الشعر. غاب ساحر العقول والقلوب والآذان. رَحَلَ فارس الكلمة وعاشق الجمال. من بعدك، سيتيه الشعر وتضيع الأوزان، وتغدو القوافي يتيمة والمعاني يُصيبها الهذيان. من بعدك، سيحاكي وطن أحلامكَ واقع الأقزام، وستموت الطائفة الإسمها لبنان" (ص264).

وحسنًا فعلتَ دكتور صافي بتصيير مقالاتكَ الإذاعيّة... حبرًا.                                                                   

أستاذ في الجامعة اللبنانيّة

نشكركم زوار العرب اليوم على تصفح موقعنا وفى حالة كان لديك اى استفسار بخصوص هذا الخبر "... صارت حبرًا" للدكتور هاني صافي: كتاب في أدب المقالة الإذاعيّة برجاء ابلاغنا او ترك تعليق الأسفل المصدر : النهار

السابق السعودية تطلق أولى رحلاتها إلى فيينا
التالى علي آل زياد شاب سعودي يرسم مع والده لوحات رائعة