«العشب يغني» لدوريس ليسنغ ... ضد العنصرية

«العشب يغني» لدوريس ليسنغ ... ضد العنصرية
«العشب يغني» لدوريس ليسنغ ... ضد العنصرية

-

اليكم تفاصيل هذا الخبر «العشب يغني» لدوريس ليسنغ ... ضد العنصرية

ظهر في القرن العشرين مُـبدعون دافعوا عن الخصوصية الثقافية لشعوب أفريقيا، ونالوا شهرة يستحقونها وبعضهم فاز بنوبل مثل ج. م. كويتسي ونادين غورديمر. وإذا كان من الطبيعي أن يبدع الأفارقة عن شعوبهم وتاريخهم مع الاستعمار الأوروبي فإنّ إبداع بعض الأوروبيين عن نزعة الأوروبي العنصرية واحتقاره للأفارقة، تكون له أهمية خاصة في التأريخ لحركة الأدب عن أفريقيا، مثلما فعلت دوريس ليسنغ في روايتها «العشب يغني». تبدأ الرواية بجريمة قتل: القتيلة البريطانية (ماري) والقاتل خادمها الزنجي الذي اعترف بأنه هو الفاعل... فهل اعترف تحت إكراه أم لا؟ وإذا كان هو القاتل فلماذا قتلها؟ اكتفت المبدعة بهذه البداية لتحفر داخل حياة القتيلة، التي تزوّجت من (تيرنر) البريطاني البائس الذي يمتلك مزرعة في روديسيا، ويقضى نهاره وسط العمال ويتفقد العمل بنفسه. وعلى رغم ذلك كانت الظروف ضده، فكان يخسر ما جمعه ويستدين باستمرار.


كان «سلاتر» يـدّعي صداقة «تيرنر» في الوقت الذي يشعر فيه بالسعادة كلما تراكمت ديونه، لأنه يرغب في ضم مزرعة الأخير إلى مزرعته. وعندما حانتْ اللحظة المواتية عرض شراء المزرعة، وهو العرض الذي فسّـره «تيرنر» بالطرد من مملكته الخاصة، وبعد أن أغراه بمبلغ الشراء أجبره على أن يكون رحيله سريعاً فقال له «تيرنر»: «أنت تطردني بهذه الطريقة وأنا هنا منذ خمسة عشر عاماً؟». وعلى رغم أن الإثنين بريطانيان، فإنّ سلاتر يرى أنّ الضرب بالسياط هو أفضل طريقة للتعامل مع الزنوج، عكس تيرنر الذي رفض هذه الطريقة. فضـل تيرنر التعامل بنزعة إنسانية سخرَ منها سلاتر، لدرجة أنه كان يقول له: «إنّ وجهك لم يسود من تأثير الشمس فقط ولكن من مكوثك الدائم مع الزنوج». رأتْ ماري أنّ زوجها تيرنر (ضعيف الشخصية) عند مقارنة شخصيته بشخصية سلاتر. وزاد من اقتناعها بهذه الفكرة نجاح سلاتر وتحقيق الأرباح من مزرعته، بينما مزرعة زوجها على العكس تمامـاً. وسمعتْ من بعض الجيران الأوروبيين أنّ سلاتر بدأ حياته (مساعد بقال في لندن) وبعد عشرين سنة في أفريقيا خرج بفكرة واحدة: أنْ يكسب ثروة وبالفعل حقق طموحه. ولكنه كان فجاً قاسياً لا يرحم. وكان السوط معلقاً على جدار بيته كشعار يقول: إنك لا تعبأ بالقتل لو كان ضرورياً، وقال لتيرنر: ينبغي أنْ تشترى سوطاً قبل المحراث أو الجرافة (ص22). شخصية سلاتر تركتْ تأثيرها على ماري التي كانت تكرهه لغروره، ولكنها معجبة بطموحه المُـفتقد عند زوجها، وبدأت تشعر بالندم لأنها وافقت على الزواج من تيرنر خصوصاً عندما رأت بيت الزوجية (غير المسقوف) وأنها تعيش في بلد (منقوع في الشمس).

كان العرف السائد أنّ صاحب المزرعة الأبيض لا بد أنْ يخدمه أحد الزنوج. وكان تيرنر (على رغم فقره) حريصاً على هذا العرف، فاستجلب زنجياً لخدمته، وبعد زواجه كان يذهب إلى المزرعة ويترك الخادم مع ماري ليقوم بأعمال البيت. أفرغتْ ماري طاقة غضبها في الخدم من الزنوج وكان الخادم يطلب السماح له بمغادرة البيت (بحجج مختلفة) بعد أسبوع أو أسبوعين وذلك بسبب قسوة ماري، وكثيراً ما طلب تيرنر منها أنْ تحسن معاملتها لهم وأنه احتفظ بخادمه طوال سنوات عدة. ولكنها لم تستجب لرغبته فكانت تطلب من الخادم القيام بأعمال أقرب إلى السخرة، وتُـصر على أن يقوم بحك الأرضية عدة مرات طوال اليوم ومنعته من تناول وجبة الغداء قبل أن ينتهي من عمله.

وفي سماع شهادة الشهود عن جريمة القتل قال مواطن أبيض: إنّ السيدة ماري كانت تعامل الخدم معاملة سيئة والسيدات الأوروبيات ليست لديهنّ فكرة عن التعامل مع الزنوج، وكان من رأي بعض الإنكليز إنّ «الحضارة البيضاء تدافع عن نفسها وحضارتنا لن تعترف أبداً بأنّ شخصاً أبيض وخصوصاً امرأة بيضاء يمكن أنْ تكون لها علاقة إنسانية، سواء بالطيب أو الخبيث مع شخص أسود، فمجرد الاعتراف بذلك معناه انهيار حضارتنا البيضاء». واعترف كثيرون أنّ المحاكمة كانت شكلية ولكن لا أحد بحث أو اهتم بالأسباب الحقيقية لجريمة القتل، أو أليس من المحتمل أنْ يكون القاتل من البيض؟ وحتى لو كان من الزنوج أليس من المحتمل أنه كان في حالة دفاع عن النفس؟ في أول يوم بعد الزواج قدّم لها تيرنر الخادم، وقال هذا سامسون يا ماري وظلّ الخادم العجوز ينظر إلى الأرض وقال: صباح الخير يا سيدتي. نظرتْ إليه باستهزاء فقال زوجها: سوف يعتني بك. إنه ليس خنزيراً عجوزاً سيئاً. لم يسبق لماري أنْ تعاملتْ مع الزنوج بل كانت خائفة منهم. بعد أسبوع اتهمتْ الخادم بالسرقة فأنكر ولكنها أصرّتْ وخضع تيرنر لغضبها وخصم شلنين من راتب الخادم، الذي تقـبّل الخبر بوجه مكتئب ولم تقتنع بهذه النتيجة وأصرّتْ على طرد الخادم. فشعر تيرنر بالحزن لأنّ خادمه العجوز الذي خدمه كل تلك السنوات سوف يتركه. وكان انتصارها على تيرنر يشعرها بالرضا على رغم أنها تحتقره. واستخدمتْ قسوتها مع الخادم الجديد الذي أمرته أنْ يدعك حوض الاستحمام طوال النهار، ولما عاد تيرنر من المزرعة وعلم بالأمر قال لها: الحوض من الزنك، وهذا هو لونه وليس قذارة كما تعتقدين. ولكنها لم تقتنع وتملّكها الغضب عندما سمح للخادم بالانصراف لتناول طعامه، فقالت لزوجها: كيف تأخذ جانب الزنجي وتنتصر له؟ فقال إنه إنسان.

عندما مرض زوجها باشرتْ العمل في المزرعة وهي تؤرجح الكرباج على معصمها ولم تقل شيئاً عن كراهيتها للزنوج ولكنها قالت له: أنا لا أؤمن بمعاملتهم باللين ولو كان الأمر بيدي لجعلتهم يعملون ويطيعون بالكرباج. وبلغتْ النزعة العنصرية إلى درجة أنه لا يجوز للزنجي التحدث بالإنكليزية مع سيده الأبيض، وجسّـدتْ المبدعة هذه العنصرية في مشهد بين ماري وخادمها الأسود، حيث رفعتْ الكرباج وأنزلته على وجهه في ضربة عنيفة، وبلغ الإبداع قمته بتصوير الحالة النفسية لماري: بين صلافتها وجبروتها وشعور الخوف الذي تملكها حيث سيطر عليها اعتقاد بأنّ الزنجي سينقض عليها فتكوّمتْ مرتعبة، خصوصاً عندما فكـرتْ في احتمال تقدم الخادم بشكوى للشرطة.

وعلى رغم صراحة القانون فإنّ الشرطة - غالباً - تنتصر إلى الأبيض، ومع ذلك قالت ماري لنفسها: هذا الحيوان الأسود لديه حق الشكوى ضد امرأة بيضاء. وعن محور التفرقة العنصرية ذكرتْ المبدعة أنّ رجل الشرطة الأسود لا يجوز له أنْ يضع يده على الرجل الأبيض عند القبض عليه. وعندما مرض تيرنر بالحمى فإنّ زوجته (ماري) نظرتْ إليه باحتقار حاد لما أبداه من جبن مثل أي زنجي، والنزعة العنصرية تأكـدتْ من النظام المعمول به جنوب أفريقيا، حيث أنّ الحصول على عمال من الأهالي للعمل في المزارع، يكون بنظام «شراء الزنجي بخمسة جنيهات للرأس» (ص232) والخادم الزنجي (حتى ولو كان عمره فوق الثمانين) فإنّ سيده ينادي عليه (تعال يا ولد)، والأوروبيون في جنوب أفريقيا كانوا يكرهون الأوروبيين الذين يـدافعون عن الزنوج ويسخرون منهم فأطلقوا عليهم (محبي الزنوج)، وسادتْ في جنوب أفريقيا مقولة إنّ الشخص الأبيض عندما ينظر إلى شخص من الأهالي السود كأنما ينظر إلى كلب».

لم يحتمل الزنوج العمل في بيت تيرنر بسبب قسوة ماري وكان الخادم الأخير (موسى) الزنجي عامل المزرعة الذي ضربته بالكرباج منذ عامين. وهنا كثفت المبدعة الحالة النفسية لماري رأتْ أثر الجرح على وجهه قالت لزوجها ألا يوجد خادم آخر يصلح؟ قال: إنه نظيف ومطيع وأفضل الأولاد الذين عملوا معي. تساءلتْ: لماذا هذا الولد بالذات؟ كانت هناك تلك اللحظة من الخوف بعد أنْ ضربته بالكرباج منذ عاميْن عندما كانت تُكلمه لا يرد عليها. ويتقبل توبيخها من دون أن يرفع وجهه ومع ذلك كان صوتها يزداد حدة وتوتراً. تضاعفَ خوفها من الزنجي فكانت تحبس نفسها في غرفتها وتبكي وتحبس دموعها وتخشى أنْ يسمعها حيث يجلس خلف غرفتها. وفي مرة رآها تبكي فشعرتْ بالخزي.

تعاطف الزنجي معها بعد بكائها المستمر وحاول التودد إليها بتقديم وردة أو ثمرة فاكهة أو تقديم الشاي والطعام من دون أن تطلب، ولكنها كانت تـقابل تودده بمزيد من العنف وبدأت تحلم حلماً تكرر كثيراً، ترى فيه الزنجي وهو يقترب منها ويلمس جسدها. ووصل توتر العلاقة بينهما إلى درجة أن سألها: المدام خائفة مني؟ أليس كذلك؟ ازداد توترها وهي تقول: لا. لستُ خائفة. ولكنه لم يقتنع فقال: لماذا المدام خائفة مني؟ لقد تحول الرجل الأسود الذي ضربته بالسوط إلى كابوس يجثم على صدرها، ولكنها- تحت ضغط المرض والشعور بالإعياء- سمحت له بمساعدتها في ارتداء ملابسها، وفي لحظة مناجاة قالت لنفسها: ما جدوى انتظار الموت؟ سيأتي بمجرد أنْ يفتح الباب. دخل يحمل صينية الشاي فارتعبتْ. سمعتْ صراخ الرياح ووقعتْ على الأرض. فكر موسى: هل يساعدها؟ اقترب كلبان من ماري. أبعدهما عنها ثم قتلها وسار يتخبط وسط الأحراش وعقله مشوّش بأفكار الندم والشفقة.


نشكركم زوار العرب اليوم على تصفح موقعنا وفى حالة كان لديك اى استفسار بخصوص هذا الخبر «العشب يغني» لدوريس ليسنغ ... ضد العنصرية برجاء ابلاغنا او ترك تعليق فى الأسفل المصدر : الحياة

السابق منتدى الأدب الصيني العربي: مركز "الشيخ زايد في الصين" صرح علمي لنشر الثقافة العربية
التالى Aspasia Forum قصيدة، بل حديقة شعر!